فهرس الكتاب

الصفحة 8621 من 27364

[الكاتب: أبو محمد المقدسي]

وفي العراق جاءوا بطائراتهم وأساطيلهم ودباباتهم وحدهم وحديدهم تحت غطاء منح الحرية للشعب العراقي، ونقلت لنا الفضائيات الأمريكية وأذنابها من فضائيات أنظمة بلادنا العميلة وركزت على فظائع صدام ومقابره الجماعية وسجونه ومعتقلاته وكأن سائر الأنظمة المجرمة التي ترعاها أمريكا في بلادنا ليست كذلك!! كما نقلت صورة العراقيين وهم يتظاهرون في الشوارع ولم تنس أن تنقل لنا بخبث أيضاً صورهم وهم يسرقون البيوت والمتاجر والمتاحف!! أليست هذه هي الحرية على طريقة الكاوبوي الأمريكي؟ نعم ولكن هذا لا يعني الفضائيات الأمريكية، إنما الذي يعنيها أن تفهم الناس أن العراقي إنسان لص سارق وأمريكا ستعمل على تحضيره وتطويره وجعله إنسان ديمقراطي يطالب بحقوقه بطريقة حضارية وتلك هي صورة المظاهرات...

أجل تريد الفضائيات الأمريكية وصحافتهم أن تري العالم أنهم جاءوا إلى العراق ليلقنوا العراقيين دروساً في الديمقراطية والحرية ولذلك نقلوا لنا صورة الحاكم الأمريكي بول بريمر وهو يفترش مجلساً متواضعاً على الأرض يشارك فيه بإفطار بسيط بعض العراقيات من داعيات تحرير المرأة...

نقلت لنا فضائياتهم ذلك كله لكنها نسيت أو تناست أن تنقل لنا صور الجنود الأمريكان وهم يدوسون ببساطيرهم على رؤوس وأعناق العراقيين كما تناقلتها الصحف والفضائيات الأخرى شارحة ومصورة للطريقة التي يُعلم الأمريكان ويلقنون بها العراقيين دروس الحرية والديمقراطية الأمريكية.. وهي الطريقة ذاتها التي تلقن بها إسرائيل دروس الحرية للفلسطينيين ونقلت لنا الصحافة الأخرى أيضاً صور الجنود الأمريكان وهم يروّعون الأطفال والنساء ويمتهنوهن ويذلونهن بل ويعتقلونهن ضغطاً على أزواجهن ليسلموا أنفسهم، كما اعتقلوا العلماء وأذلوا وجوه العشائر؛ وإذا كانت سجون صدام ممتلئة باللصوص والمجرمين وطائفة من معارضي نظامه؛ فإن السجون اليوم تعج بأضعاف أضعاف ما كانت عليه زمن حكم صدام، وجل المعتقلين اليوم من الأحرار والمقاومين والمجاهدين بينما اللصوص وقطاع الطرق والمجرمون المحترفون أحرار طلقاء في الصحاري والمدن والشوارع وفي مجلس الحكم أيضاً!!!

فهؤلاء جميعاً ينعمون بحرية وديمقراطية أمريكا وحراسة دباباتها وحماية طائراتها ودوس بساطيرها أيضاً، أما الأحرار فمغيبون خلف الأسوار وليس لهم من تلك الحرية نصيباً لأن أمريكا لم تجلبها لهم وإنما جلبتها لأذنابها وعملائها...

وقد تكلم الكاتب (توماس فريدمان) في صحيفة (نيويورك تايمز) عن حقيقة هذه الحرية وذكر أنواعاً من هذا الإذلال اليومي الذي يمارسه الأمريكان مع العراقيين تحت عنوان (عنصر الإذلال في العلاقات الدولية) وكتب (لوك هاردنج) في صحيفة (الغارديان) مقالة مشابهة لكن بعنوان (حذاء في الفم بدل حرية الكلمة) نُشرت ترجمته في صحيفة الدستور 15/1/2004م وذكر فيه بعض ما تعرض له بعض الصحفيين والمصورين العراقيين العاملين في وكالة رويترز للأنباء من اعتقال دون سبب وإذلال وتعذيب وتعرية من الملابس وتهديد باللواط وحشو الأحذية في فمهم أثناء التحقيق معهم من قبل الجنود الأمريكان، إلى غير ذلك من ممارسات الحرية والديمقراطية الأمريكية التي جلبوها للعراقيين!! وإذا قدر لهؤلاء العراقيين أن ينجوا من ربقة الأسر وتمكنوا من إيصال ما حصل معهم إلى الصحافة كونهم من العاملين في وكالة أنباء دولية؛ فهل يتمكن المواطن العراقي العادي من ذلك؟ وإذا كان هذا الإذلال والإهانة والتحقير والتهديد باللواط يمارس مع صحفيين وراءهم وكالات صحافة أوربية فما هو نوع الحرية والديمقراطية التي يمارسها الأمريكان يا ترى مع المواطن العراقي العادي؟

ذكرت صحيفة الإتحاد عن الكاتب (باتريك سيل) وهو كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الأوسط، ونشر ذلك في صحيفة الدستور بتاريخ 9/3/2004م أن عدد العراقيين الذين قتلتهم أمريكا منذ الغزو على العراق قبل سنة من الآن وفقاً للتقديرات المتحفظة يعادل تقريباً (عشرين ألف) قتيل من المدنيين والعسكريين إضافة إلى ما بين (عشرين إلى ثلاثين ألف) جريح منهم عدد لا بأس به من النساء الأطفال

أضف إلى هذا وفاة قرابة (خمسمائة ألف) عراقي بينهم عدد كبير من الأطفال كنتيجة لثلاثة عشر سنة من العقوبات والحصار، كل ذلك كان تحت دعوى البحث عن أسلحة الدمار الشامل الموجودة في إسرائيل!!! وليس في العراق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت