ثم جاء النصر من عند الله حين توجه المسلمون بالعقيدة الصحيحة إلى الله ، واتخذوا الأسباب ، فكانت صيحة"وا إسلاماه"على لسان قطز ، وهجمته الصادقة على التتار في عين جالوت تغييرا في صفحة التاريخ ، فلم ينتصر المسلمون فحسب ، بل بدأ التتار يدخلون في الإسلام بعد هزيمتهم أمام المسلمين . كما كان توجه صلاح الدين إلى إصلاح عقيدة الناس ، واتخاذ الأسباب ، إيذانا بالنصر الحاسم الذي أعاد بيت المقدس ، وصد الصليبيين عن الشرق الإسلامي عدة قرون . ثم تعدى الأمر آثاره المحلية ، إذ بدأت أوربا نهضتها مستمدة من الحضارة الإسلامية بعد هزيمتها أمام المسلمين ! (28)
فإذا نظرنا من ناحية أخرى إلى قضية الفارق"الحضاري"بين المسلمين وأعدائهم ، فقد كان الفارق هائلا جدا لصالح الأعداء حين التقى المسلمون مع الفرس ومع الرومان ، وهم صفر اليدين من أسباب الحضارة المادية أو يكادون ..
ولكن ذلك الفارق الهائل لم يستوقفهم لحظة واحدة ليفكروا فيه ، ولا كان له في حسّهم وزن .. أي وزن !
وانظر إلى ربعي بن عامر وهو يدخل بكل عزة الإيمان على رستم في أبهته وطنافسه وبذخه ، فينظر إلى ذلك كله باحتقار بالغ ، ويتعمد إعلان ازدرائه له وتحقيره ، فيخزّق بسن رمحه سجاجيدهم ، ويربط حماره القصير الأرجل في بعض ما يعتزون به من فراشهم ، ثم يقول لرستم حين سأله: ما الذي أتى بكم إلى بلادنا ؟:"الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة .."
أي عزة بالإيمان إزاء الاعتزاز الكاذب بكل"الحضارة المادية"وكل متاع الأرض !
ولكن موقف المسلمين من الهجمة الصليبية الأخيرة لم يكن كذلك .. لم يكن موقف الإعتزاز بالعقيدة الصحيحة ، ولا الاعتزاز بالإيمان .. إنما كان الذلة النفسة والإنكسار ..
أو قل: هو الإنبهار ..
لأول مرة في تاريخهم ينظرون إلى أعدائهم على أنهم أعلى منهم .. لا في مجالات العلم و"التكنولوجيا"وآلات الحرب ، فذلك ظاهر .. ولكن في الأفكار .. والنظم .. والعقائد .. وأنماط السلوك ..
لم يكن السبب هو الهزيمة العسكرية ، ولا فارق الحضارة المادية ..
إنما كان الخلل في الإيمان .. في موطن العزة والاستعلاء ..
(.. وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (29)
كان السبب هو الخواء العقدي الذي وقعت فيه الأمة عدة قرون ..
لذلك أدت الهزيمة العسكرية إلى الانبهار ..
وحين بدأ الانبهار .. دخلت الأمة في التيه ..
كان حجم التيه هائلا جدا .. أكبر بكثير مما يتصور أكثر الناس ..
ويكاد لا يوجد جانب واحد من حياة الأمة لم يتأثر بالتيه .. كأنما انقلبت في نصف قرن أو يزيد ، أمة أخرى غير التي كانت من قبل ! انقلبت في كل شيء .. في تصوراتها وأفكارها ومشاعرها وأنماط سلوكها .. في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والفكر والأدب و"الفن".. في كل شيء !
وكانت الأمة - ولا شك - تشعر بالانقلاب .. فقد كانت المفارقة حادة بين ما كانت عليه وما صارت إليه في تلك الفترة القصيرة من الزمن .. ولكن الكارثة أنها - وهي في التيه - كانت تظن أنها تنقلب إلى الأفضل ! وتنظر إلى نفسها وهي تنسلخ من دينها وتقاليدها وموروثاتها وتصوراتها ، على أنها قد بدأت - الآن - تخطو أولى خطواتها على الطريق المستقيم !
وهنا نقطة يجب أن يتبينها المؤرخ المسلم ويبينها للناس: أن الأمة قبل هذا الانقلاب لم تكن تسير على الطريق المستقيم ! لقد كانت قد حادت كثيرا عن الطريق وهي تظن أنها ما تزال سائرة فيه ! ولكن الذي يجب أن ندركه جيدا أن التوجه الجديد لم يكن إلى الطريق المستقيم حقا ، إنما كان انحرافا جديدا عن الجادة ، ولكنه كان أخطر بكثير من الأول . فقد كان الأول - على كل ما فيه من انحراف - تزييفا لواقع أصيل ، فمن السهل - حين تكشف الزيف - أن تعود إلى الأصل الذي خدعك الزيف عنه . أما الآخر فقد كان في اتجاه مضاد ، وكان أخطر ما فيه أنه يوسوس لك على الدوام أن لا ترجع أبدا إلى الطريق الأصيل .. بزعم أنه منبع الداء .. وأن البعد عنه هو وحده الدواء !!
لم يكن الذي غادره المسلمون ليدخلوا في التيه هو حقيقة الإسلام ..
فالتواكل والسلبية والجهل والخرافة والخمول والضعف والقعود عن اتخاذ الأسباب .. ليس من الإسلام .
وتحقير المرأة وحبسها في ظلمات الجهل والخرافة وتحجيم دورها في الحياة وحصره في الحمل والولادة والإرضاع .. ليس من الإسلام .
واستبداد الحكام بالسلطة ، وزجر الرعية عن التدخل في الشئون العامة ، فضلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ليس من الإسلام .
وقعود الفقهاء عن النظر فيما جدّ في حياة الناس من أمور ، فضلا عن تحريم الإجتهاد واعتباره بدعة ضارة خطرة مخيفة .. ليس من الإسلام .
وعشرات غيرها من الأمور التي كانت سائدة في المجتمع .. كلها دخيلة ، وكلها انحراف عن مقتضيات لا إله إلا الله ..
ولكن العلاج لم يكن نبذ هذا الدين .. إنما كان هو الرجوع إليه ، ونبذ ما وقع في حياة الناس من انحراف .