طلعت رميح 30/1/1425
الفارق بين ما تناقشه قمة عربية وأخرى -منذ نشأة الجامعة العربية وحتى الآن - هو في طبيعة الأسئلة المطروحة عليها من الخارج والتي تختلف باختلاف الدول الاستعمارية بين مرحلة وأخرى وباختلاف خططها وأهدافها تجاه الأمة بين مرحلة وأخرى .
والفارق بين نتيجة هذه القمة أو تلك، أو الفارق بين قرارات هذه القمة أو تلك، هو في طبيعة الإجابة التي يحددها الرؤساء والقادة العرب على تلك الأسئلة التي توجهها الدول الخارجية من مرحلة لأخرى، حيث كانت تلك الإجابات في مرحلة الستينيات إجابات متحدية - دون إعداد حقيقي للمواجهة -، ثم تحولت في مرحلة السبعينيات إلى إجابات"متعاونة"، أو"متجاوبة"مع الضغوط في مسيرة بدأت في قمة فاس بالمغرب التي أقرت بداية لغة التفاوض مع إسرائيل، وأسست لفكرة الدولة الفلسطينية..إلخ.
في كل تلك المراحل كانت المشكلة الاستراتيجية التي واجهتها القمم والجامعة العربية منذ نشأتها وحتى اليوم، والذي جعلها تدور في دوامة الفرقة والاختلاف وعدم الإنجاز، وكذلك الذي جعلها تتراجع ولا تتقدم هو أن هذه القمم أبداً لم تنظر في الأسئلة الموجهة إليها من الداخل (من شعوبها) ، وأنها اكتفت في الأغلب والأعم بمحاولة التوفيق بين الاستجابة للضغوط أو الرد بالإيجاب على الأسئلة الموجهة إليها من الخارج، وبين الرفض الشعبي لهذه الإجابات..مركزة جهودها على كيفية تمرير الإجابات المتعاونة والمتجاوبة مع الضغوط الخارجية بين جماهير شعوبها، وليس حمل آراء شعوبها والدفاع عنها في مواجهة التحديات والضغوط الخارجية.
والسؤال الجوهري بشان القمة العربية القادمة هو:هل تخرج هذه القمة عما سارت عليه القمم السابقة ؟!
السرية لماذا؟
تعقد القمم دومًا في سرية، غير أن كل حالات الانعقاد للقمم العربية ثبت أنها كانت تصل بكامل تفاصيلها إلى إسرائيل في إحدى القمم بالصوت والصورة!، وبطبيعة الحال إلى الولايات المتحدة، بما يجعلها سرية فقط على الشعوب العربية لا أكثر ولا أقل!!
ودون أن يكون القصد تصويرًا كوميديًّا أو مأساويًّا؛ فإن القمة العربية المقرر انعقادها في نهاية الشهر في تونس، والمعروض عليها وثيقة أسماها وزراء الخارجية العرب"وثيقة العهد بين قادة الدول العربية"..والتي وصفت بالسرية، حيث رفض وزراء الخارجية العرب إعلانها أو إعلان فحواها، ثم لم يمض على اعتمادها عدة أيام حتى كانت بنودها بندًا بندًا على كل لسان.. هذه الوثيقة وما جرى حولها من مناقشات لا تعدو من أولها إلى آخرها إلا محاولة للإجابة عن الأسئلة المطروحة من الخارج على القمة العربية؛ وهي أسئلة وصلت في هذه المرحلة إلى طرح أسئلة حول جذور الهوية وأسسها، من نوع: هل أنتم مسلمون، أم عرب، أم أنكم شرق أوسطيون تنتمون إلى الجغرافيا..لا العقيدة أو حتى الحضارة.
ومرة أخرى دون أن يكون القصد كوميديًّا أو مأساويًّا؛ فكذلك كان الحال بالنسبة لما جرى من مناقشات وزراء الخارجية العرب حول"الإصلاح الداخلي"التي جرت في سريّة"بالغة"، غير أنها لم تكد تنفض حتى ملأت (أخبارها السرية) كل بقاع الأرض، فظهر أنها لم تناقش أية قضية على أي جانب من السرية.. وعندها اكتشف الناس أنها لم تكن سوى إعدادًا للردود العربية على الأسئلة المطروحة خارجيًّا حول ما سمي"بالإصلاح"في الدول العربية.
وإذا كان بالإمكان تقديم تأويلات كثيرة لحكاية المداولات السرية والوثيقة السرية -التي هي أشبه بالنكتة المصرية الشهيرة حيث كان سائق الأتوبيس ينادي على الركاب"وصلنا محطة المطار السري"، فيرى البعض أن معناها فقط هو عدم فتح المجال أمام الإعلام لنقل الخلافات أو أن السرية لا تعدو كونها محاولة لعدم تمكين الإعلام من تسخين الأجواء الداخلية -داخل الاجتماع -بين المسؤولين وبعضهم البعض، أو بين المجتمعين وشعوبهم، أو بين الٍٍِِشعوب والحكام، وهى كلها تفسيرات تعكس خوفًا وقلقًا من معرفة الشعوب بحقيقة ما جرى.. فإن الواضح هو أن اجتماع الوزراء بمقر الجامعة العربية بالقاهرة وما أعده من وثيقة سواء ما يتعلق بإصلاح الجامعة العربية أو إصلاح الأوضاع الداخلية. والقمة العربية في تونس وما سيسصدر عنها أو ما ستنظره وما تقرره لن يخرج عما جرى في القمم العربية السابقة، إذ هو يتحاشى"الإجابة"الصريحة المتحدية المدروسة والمخططة، على الأسئلة المعروضة عليها والمفروضة عليها من الخارج، أو هو سيواصل مسيرة الإجابة المتعاونة مع طارح الأسئلة من الخارج، ويواصل في نفس الوقت أيضًا الابتعاد عن إجابة الأسئلة التي تطرحها الشعوب العربية، ومن ثم يواصل الإمعان في لعبة تمرير الإجابات الخفية التي تقدم على الأسئلة المفروضة من الخارج بين الشعوب.
اجتماع الخلافات حول الإجابات!
كان اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب هو اجتماع الخلافات لا اجتماع الاتفاقات أو التوافق، وكانت الخلافات كلها حول الإجابات التي يجب على القمة العربية أن تقدمها عن أسئلة شارون وبوش لا أكثر ولا أقل. ومن ثم كيفية تمرير هذه الإجابات بين الشعوب العربية!