د. عَلِيُّ بِنِ إِبْرَاهِيْمَ النَّمْلَةِ 21/2/1428
الاستشراق وصناعة الكراهية
الاستشراق ووسائل صناعة الكراهية
الخاتمة: الخلاصة والنتيجة:
الاستشراق وصناعة الكراهية
• إذا سلَّمنا بأنَّ الاستشراق هو أحد المحدِّدات المهمَّة في العلاقات بين الثقافات, فإنَّ هذا يعني إعطاء هذا المحدِّد القيمة الفعلية, التي يُنظر من خلالها إلى إسهاماته في التقريب بين الثقافات, أو في الإسهام, من جانب آخر, في تأصيل مفهوم الافتراق والتضادِّ والتناحُر بين الثقافات.
• الذين يدرسون الاستشراق بعمق, وبمتابعة مباشرة لإسهاماته الثقافية, لا يستعجلون التعميم في الحكم عليه كلِّه, على أنَّه كان طرَفًا مباشرًا في صناعة الكراهية. فالأمر, هنا, يقتضي قدرًا من التفصيل. فقد طال التنقيب عن المستشرقين المنصفين, وهم موجودون, ولا يسوْغ نسيان إسهاماتهم في توعية بني قومهم عن حقيقة الثقافة الإسلامية, وبُعدها عمَّا ألصقه بها إخوةٌ لهم من المستشرقين, من كون هذه الثقافة تمثِّل الخطر الأخضر الجديد (1) , بعد تراجُع الشيوعية عن التأثير, ودعوتهم لهم إلى أنْ يخلعوا عنهم لباس التعصُّب, الذي يحجب النظرة الموضوعية لثقافة تنتشر بشكل ملحوظ, (آنا ماري شيمِّل 1922 ـ 2005م, وزيجريد هونكه, وفريتس شتيبات 1923م ـ ويوسف فان أس 1934م ـ, ولزلي ماكلوكلن, وجون إسبوزيتُّو, وفريد هاليداي, وديفيد كنج, وإدوارد كينيدي, وغيرهم كثير من المتأخِّرين, نماذجَ) (2) , وأنَّ مسألة الخطر الإسلامي لا تتعدَّى كونَها وهمًا من الأوهام, التي يروِّج لها بعض المتنفِّذين السياسيين من المستشرقين وغيرهم (3) . ذلك في ضوء التوجُّه إلى التوكيد على وجود مستشرقين مغرضين, كان لهم أثر واضح وملموس في صناعة الكراهية.
• هذه النظرة تقتضي تصنيف المستشرقين إلى فئات, من حيث الزمانُ, أوَّلاً, ثمَّ من حيث المدارسُ الاستشراقية, ومدى قُرب هذه الفئات والمدارس من الإنصاف, كالمدرسة الألمانية, وبُعدها عنه, كالمدرسة الفرنسية, أخذًا في الحسبان أنَّ المستشرق نفسه يظهر تارةً منصفًا, ويظهر تارةً أخرى, في تقويمنا له, غيرَ منصف (مونتمجمري وات نموذجًا) (4) .
• واقع الحال أنَّ هناك فئةً معتبرة من المستشرقين كانت لهم جهود واضحة في صناعة الوئام بين الثقافات, وكانوا وسائط لتعريف الغرب بالثقافة الإسلامية تحديدًا, من خلال الدراسات والبحوث والترجمة والنقل, وحفظ التراث العربي الإسلامي, وفهرسته وتصنيفه, وترميم المعطوب منه. ولا ينبغي التغاضي عن هذه الجهود الواضحة, كما أنَّه لا ينبغي الالتفاف على هذه الجهود, والزعم بأنَّها لم تكن صادرة عن قصد نبيل, والزعم بأنَّ ما قام به المستشرقون من جهود موضوعية كان لخدمة أغراضهم الأخرى (5) . وإنْ وجد هذا الهاجس فقد تمخَّض عنه نفع للتراث المخدوم.
• أمَّا من حيث الزمانُ فإنَّ طلائع المستشرقين لم يكونوا, في الإجمال, إيجابيين مع الثقافة الإسلامية, ذلك أنهم كانوا قد ولدوا في حقبة كانت فيها أوروبَّا تعيش حالة من الفوضى الحضارية, شاع فيها الإقطاع وسلطة النبلاء من ناحية, وشاعت فيها سيطرة مصالح الكنيسة, من ناحية أخرى, فكان أنْ شعروا بأنَّ الإسلام الذي بدأ ينتشر بقوَّة, لا بفعل السيف, كما زعموا, بل بفعل التأثير المباشر المتسامح في الأمم, مما هدَّد مصالحَ خاصَّةً, كان يتبوَّأها قسمٌ من رجال الدين, غير المتسامحين, الذين كانوا يدَّعون أنهم يمثِّلون الربَّ, ومارسوا دور الوسيط بين الربِّ والعباد, فحقَّقوا من وراء ذلك مصالحَ ذاتية, كانت بعيدة عن مفهوم التسامُح.
• بينما جاءت الثقافة الإسلامية لتلغي هذه الواسطة, وتجعل الصلة بين العبد وربِّه مباشرة, دون عون من أحد, سوى العلم القائم على كتاب الله تعالى وسنة نبيِّه محمد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم -. وتجعل من التسامُح المحدَّد بضوابطه التي تقرِّبه من واقع الناس, وتتيح للأمم التعامُل بينها بموجبه, وليس ذلك التسامُح غير المحدود, الذي يدمِّر التسامُح, من حيثُ كونُه منطلقًا للعلاقة بين المسلمين أنفسهم, وبينهم وبين غيرالمسلمين (الآخر) .
• يقول عصام عبدالله: «لم يكن معظم المنادين بالتسامُح مستعدِّين للسير بهذا المبدأ حتَّى نهاية الشوط, أو في كلِّ الاتِّجاهات, وعلى كافَّة الصًُعُد, ف"جون لوك", أكبر المؤيِّدين لمبدأ التسامُح وضع مجموعة من الضوابط, من يتعدَّاها لا يمكن التسامُح معه بأيِّ حال:
1ـ الترويج لمعتقدات وأصول تهدِّد بنسف المجتمع نفسه,
2ـ الترويج للإلحاد,
3ـ الأفعال التي تهدُف إلى تدمير الدولة, أو التعدِّي على أموال الآخرين,
4ـ الولاء للحكَّام الخارجين (الخيانة) » (6) .
• جاء المستشرقون في هذه الحقبة ليقدِّموا المعلومة الخاطئة عن الثقافة الإسلامية لبني قومهم, «فقد أصبحت رؤى المستشرقين تتسلَّل إلى العقول الأوروبِّية؛ لأنَّهم خبراء في شؤون الدين والمجتمعات الإسلامية, واكتسبوا ثقة الإنسان الغربي؛ لما يمثِّلونه من علم وخبرة نادرة» (7) .