فهرس الكتاب

الصفحة 3629 من 27364

هيثم بن جواد الحداد (*)

لا أظن أن القارئ لهذا العنوان سيجد جاذبية تشده إلى قراءة موضوع عن العولمة اللغوية، في الوقت الذي تقع عيناه على موضوعات متعلقة بالعولمة تبدو لأول وهلة أنها هي أهم مجالاتها، وأشدها خطورة؛ فموضوع مثل العولمة السياسية، أو العولمة الاقتصادية يستحوذ على اهتمام القارئ الذي يرى ويسمع صباح مساء كيف تصوغ السياسة مستقبل الشعوب، وكيف تتحكم السياسة في الاستقرار الدولي الذي يتأثر به الفرد قبل المجتمع؟

وهذا أمر طبيعي في ظل الظروف الراهنة، ولا سيما في ظل السُّعار السياسي الذي أنشب أنيابه في أكثر طبقات المجتمع نتيجة لسرعة المتغيرات الدولية، ولضخامة نتائجها وتأثيراتها، كل ذلك في مقابل التجهيل ـ سواء كان مقصوداً أو غير مقصود ـ الذي يمارس ضد المجتمعات والأفراد فيما يتعلق بالجذور الحقيقية لكثير من أسباب الصراعات الحضارية، أو الإقليمية بين الأمم.

لقد غفل الكثير أو تغافل، أن العقائد ـ بمدلولها الواسع ـ هي الرحى الذي تدور حوله تحركات الأفراد والمجتمعات، وهذه العقائد تتأثر وتؤثر ـ في نفس الوقت ـ بعدة عوامل مرتبطة بالطبيعة البشرية مثل اللغة.

فاللغة باختصار: وسيلة اتصال البشر بعضهم ببعض (1) وهي ذات علاقة ثنائية الاتجاه بما يعتقده الإنسان؛ ولهذا فلا يسع أي دارس لظاهرة عالمية بصرف النظر عن منحاها أن يهمل دراسة تأثير اللغة في هذه الظاهرة؛ فما بالك إذا كانت هذه الظاهرة متعددة الجوانب، مترامية التأثير والتأثر كظاهرة العولمة؟!

لقد كتب الكثير عن العولمة، وكأي موضوع يستجد في ساحة الفكر العالمي تبدأ الدراسات المتعلقة به، صغيرة بصغره، لكنها تنمو وتتسع دائرتها، حتى تنتقل إلى مرحلة تفتيت الموضوع قيد البحث، إلى موضوعات فرعية أكثر دقة؛ فالعولمة كانت محوراً واحداً تتناوله الدراسات المختلفة، ثم مع تطور تلك الدراسات، وازدياد خبرة الفكر اتسعت دائرة مجالاتها التي وضعت قيد البحث، فظهرت دراسات عن العولمة الاقتصادية، ثم عن العولمة السياسية، وكذلك العولمة الثقافية، وكذلك تناولت بعض الدراسات أنماطاً أخرى من العولمة مثل العولمة الإعلامية، والعولمة الاجتماعية، إلا أنني لم أقف على دراسة سواء كانت مستقلة أو غير مستقلة تتناول عولمة اللغة (1) ، على الرغم مما سبق ذكره عنها.

مدخل في أهمية اللغة:

أهمية اللغة موضوع طويل بحاجة إلى دراسات مستقلة، والأبحاث فيه ليست بالقليلة؛ ولهذا سأقتصر في هذا المدخل على جوانب أهمية اللغة التي لها اتصال مباشر بالعولمة اللغوية باختصار شديد.

اللغة وعاء الثقافة:

اللغة وعاء الثقافة، والثقافة أساس الحضارة، والحضارة ترجمة للهوية؛ ومن هنا كانت اللغة من أهم الأركان التي تعتمد عليها الحضارات، ومن أهم العوامل التي تساهم في تشكيل هوية الأمة، وكلما كانت اللغة أكثر اتصالاً بثقافة الشعوب كانت أقدر على تشكيل هوية الأمة وحملها.

وبهذا ندرك السر في نهي الشريعة الإسلامية عن استعمال لغة الغير (الرطانة) دونما حاجة (2) ، في الوقت نفسه الذي نجد فيه بعض الفقهاء أوجب تعلم اللغة العربية (3) .

والشعور بهذا الخطر الذي تمثله اللغة الوافدة لم يكن وليد ظروف معينة حملت الفقهاء على هذا الرأي، لكنه حقيقة مرتبطة بطبيعة النفس البشرية التي تميل إلى المشابه والمماثل، والتي تقترب من الكائن الآخر إذا أمكن التواصل معه، وتبادل مكنونات النفس معه.

ولهذا فلا نعجب مثلاً حينما نرى أن بعض المفكرين اللغويين في بعض البلاد التي تعتبر نفسها أمة عريقة، يرون أن الغزو اللغوي الإنجليزي لا يقل خطورة عن الغزو العسكري.

إن الاعتزاز باللغة ليس وليداً لاعتزاز بذات اللغة بقدر ما هو اعتزاز بالثقافة التي تمثلها هذه اللغة، ونحن نقرأ في العصر الحديث مثلاً أن من أكبر العوائق التي وقفت في وجه اتفاقات السلام في مقدونيا الاعتراف باللغة الألبانية لغة ثانية في البلاد؛ فلماذا كل هذا الاختلاف والصراع حول مجرد لغة؟

ثم ما صراع الأمازيغ في المغرب العربي، وخصوصاً في الجزائر، الذي يسقط فيه الضحايا، إلا من أنواع الصراع من أجل إثبات الهوية، لا مجرد اللغة؛ فاللغة الأمازيغية لغة محدودة الانتشار، ضحلة الأدب والفنون، قليلة الفائدة، ولو أن أهلها نظروا بعين إنصاف لكانت لغة القرآن، ولغة قومهم المسلمين، ولغة دولهم، خيراً لهم من هذه اللغة التي تحاصرهم في أضيق الخنادق الحضارية.

اللغة من مقومات الوحدة:

بها تنهض الأمم، ويعلو شأنها، وتتحقق وحدتها، وفي غيابها تتفكك الشعوب وتضمحل الروابط وتتداعي، وينحسر الانتماء.

إن الدول التي يتحدث أهلها بلغة واحدة تكون أكثر تماسكاً وانسجاماً من الدول التي تتحدث بعدة لغات، بل إن وحدة اللغة من أهم عوامل الاستقرار السياسي والاقتصادي، وهذا واضح في الدول الأفريقية إذا ما قورنت بدول أوروبا وأمريكا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت