السيد أبو داود
إذا كان الرئيس الأمريكي بوش قد خانه التعبير وقال في رده على ما حدث في واشنطن ونيويورك في 11 سبتمبر 2001م"إن هذه الحرب ستكون مختلفة عن كل الحروب.. إنها حرب صليبية على الإرهاب، فالإرهاب موجه ضد المسيحية واليهودية".
هذا الكلام فضح المسألة برمتها، وهو يفسر تمامًا تفكير وفعل الإدارة الأمريكية - مسنودة في الغالب بكثير من الدعم الأوروبي - في عملياتها ضد العالم الإسلامي في أفغانستان والعراق وباكستان وإيران وليبيا وفي تهديدها لمصر والسعودية والسودان واليمن.. إلخ.
والمشكلة في العقل الأوروبي ليست وليدة اليوم؛ بل هي ترجع إلى فترة الإمبراطورية الرومانية، فهذه الإمبراطورية تمثل مرجعية أساسية للتفكير الغربي.. ومعروف أنها كانت تسعى لفرض قيمها على العالم بالقوة والحرب، حيث كانت مؤمنة بأن العالم يجب أن يتبع قانونها الإمبراطوري.. والمؤرخون يؤكدون أن الإمبراطورية الرومانية حينما اعتنقت النصرانية طوعت الدين لخدمة أغراضها الإمبراطورية الإمبريالية التوسعية ولم تسع هي إلى ضبط تصرفاتها بالدين.. وأصبح هذا موروثًا في الفكر والممارسة الأوروبية والأمريكية على مر التاريخ.
وأصبح الغرب يدبرون الحروب التي يخوضونها ضد العالم لفرض هيمنتهم عليه بأنها"حرب عادلة".. والحرب العادلة هي التي تحقق أغراض وأهداف وخطط الغرب الصليبي.
وهكذا ظلت ازدواجية القيم أمراً ثابتاً في علاقة الغرب بالعالم فباسم الصليب شنت أوروبا النصرانية على العالم الإسلامي حروباً دامت مئتي سنة احتلت بلاده ومقدساته وذبحت أهله.
الاستعمار الحديث جزء من الحرب الصليبية:
كثير من المؤرخين والمثقفين العرب والمسلمين يرون أن الحروب الصليبية انتهت بتحرير بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي وهذا فهم خاطئ بكل تأكيد.. لأن الحروب الصليبية اتخذت في الفكر الغربي مفهوماً جديداً بعد فك أسر لويس التاسع عشر من مصر وعودته إلى بلاده مرة أخرى.. حيث كتب أن التعامل مع العالم الإسلامي يجب أن يتغير ولا يأخذ شكل الحرب المباشرة ورفع الصليب.
ولذلك يعتبر كثير من المثقفين أن احتلال البلاد العربية والإسلامية سواء أكانت ليبيا 1811م أو الجزائر 1830م أو مصر 1881م أو تقسيم الدول العربية بين دول الإمبريالية الغربية في أعقاب الحرب العالمية الأولى والاستحواذ على خيراتها ومص ثرواتها وتعطيل تطورها وذرع الكيان الصهيوني على أرضها.. كل ذلك كانت حرباً صليبية أو مرحلة من مراحل الحرب الصليبية التي حافظت على تخلف العرب والمسلمين وأبقت الفجوة كبيرة وواسعة بين الطرفين تمنع النهضة الإسلامية التي تخيف الغرب الإمبريالي الاستعماري الصليبي وعلى رأسه أمريكا وبريطانيا.
بل إننا نقول إن حركة الكشوف الجغرافية التي أصابت الغرب في فترة من تاريخه لم تكن هدفاً بريئاً لاستكشاف العالم الجديد؛ بل كانت مرحلة من مراحل الحرب الصليبية للالتفاف حول العالم الإسلامي وتقطيع أطرافه واحتلال قلبه.
وفي أعقاب موجة الكشوف الجغرافية ظهر مفهوم غربي كاذب وهو مسؤولية الرجل الأبيض نحو تحضير العالم - كما يدعي الأمريكان اليوم الذين يقولون إن مسؤوليتنا تحضير الشعوب المتخلفة (ولو بالقوة) - وتغيير نظمها السياسية ومناهجها التعليمية.
وطبعاً الغرب يريد شماعة دائماً كي يعلق عليها أهدافه، ويخفي وراءها أغراضه الخبيثة، فوجدوا هذه الشماعة فيما يسمى"الإرهاب".. وهي كلمة معادلة في قاموسهم ل"الإسلام"تماماً..وجاء تصريح بوش بها كاشفاً لكثير من الخبايا والسياسات.
أفغانستان والعراق.. حملة صليبية جديدة:
ما حدث في أفغانستان واستباحة أمريكا - مؤيدة بالغرب - لكل المواثيق الدولية لضرب بلد آمن لم يفعل لها شيء.. كل ذلك كان في إطار سياسة الاستعلاء الإمبريالي الغربي الصليبي بزعامة بوش؛ فأمريكا بدون تحقيق ولا إدانة دولية توجه أصابع الاتهام إلى حكومة طالبان لإيوائها تنظيم القاعدة، فتحرق الأخضر واليابس وتقتل عشرات الآلاف من الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين وتهدم المساجد والمستشفيات والمدارس، بل وتضرب مواكب العرس والأفراح.
وكأن الغرض الأساسي هو محاربة المد الإسلامي في هذا البلد الفقير وإخافة كل المجتمعات الإسلامية بأن من يسلك سلوك أفغانستان وطالبان فسوف يكون مصيره الدمار والهلاك كما حدث في أفغانستان.
العجيب أن حجة"تحضير ومدنية"الدول المتخلفة التي تتحدث عنها أمريكا قد اختفت بعد أن تحققت الأهداف العدوانية، فالمرافق الأساسية تم تدميرها وإلى الآن لم يحصد الأفغان من الأمريكان إلا الخراب.. بل وزادت المخدرات بنسبة 19 ضعفاً عما كانت عليه أيام طالبان.
وما حدث في العراق كان أكبر وأبشع.. فهذه الدولة التي حققت في يوم من الأيام أعلى معدلات التنمية، أغرى الغرب رئيسها صدام حسين بغزو الكويت ودفعوه دفعاً إلى الخطأ، ثم حاصروه من 1991م وحتى 2003م حصاراً مات بسببه الولدان والشيوخ.. وضربوه باليورانيوم.. ولأنها حرب صليبية فقد غزوا العراق - بلا أي مبرر اللهم إلا النزعة الصليبية الإمبريالية.