فهرس الكتاب

الصفحة 6403 من 27364

د. أنور هدام * / واشنطن 26/10/1426

منذ الحرب العالمية الثانية - التي ضمنت الولايات المتحدة بعدها الحصول على منابع الثروة الحيوية عبر توظيف علاقات السوق- كان الهدف الأساسي للسياسة الأمريكية الخارجية هو كيفية ضمان رفاه الشعب الأمريكي في المقام الأول ، وذلك بعد أن ساهمت الولايات المتحدة في تقويض النظام النازي الذي سيطر على أوروبا ، وقامت بدورها من أجل إعادة بعث أوروبا الغربية لضمان استقلالها و أمنها أمام الزحف الأحمر.

لقد لاحظنا بأن الدعم الأمريكي فيما يسمى بمشروع مارشال كان مشروطا بتوحد أوروبا الغربية وتنسيق الجهود فيما بينها لتحديد أهداف الإقلاع الاقتصادي ، وتجاوز مشكلات التنمية مع الاحتفاظ بخصوصيات الشعوب وهويتها.

وقد أعقبت ذلك فترة من الاستقرار السياسي ، وتحرك عجلة الاقتصاد خاصة في أوروبا الغربية واليابان ، رغم مضاعفات ما يسمى بالحرب الباردة، وهو نفس الأثر الذي تركته السياسة الأمريكية في الكتلة الشرقية بعد نهاية الحرب الباردة و إعلان ميلاد النظام العالمي الجديد.

بينما نلاحظ أن بلادنا الواقعة في الحزام الأخضر بتعبير مالك بن نبي رحمه الله، أي بلاد العالم الإسلامي ، قد أُهملت ولم تستفد من هذه الجهود العالمية لتحسين أوضاع الشعوب ، كما حدث في أوروبا الشرقية أو أوروبا الغربية ، أو في جنوب شرق آسيا.

قد يبدو من غير الواضح التناقض الناجم عن إبداء الرغبة في تعميم قيم الديمقراطية وحرية التعبير واحترام اختيار الشعوب كما تعبر عن ذلك أدبيات السياسة الخارجية الأمريكية خصوصا والغربية عموما ، بينما نجدها في نفس الوقت تغض الطرف عن السياسيات القمعية المنتهجة في أغلب الأنظمة الموجودة في منطقة الحزام الأخضر. وبقيت مطالب شعوبنا في تحرير الفضاء السياسي وتوسيع مجال الحريات العامة خاصة حرية التجمع وحرية التعبير والنقد ، لا تحظى بأي تجاوب لدى الساسة الغربيين.

يبدو أن هناك سياسة"غض الطرف"وسياسة"التجاهل"والتي قد تقود إلى مآس كبرى كما حدث ويحدث في فلسطين المحتلة ، وكما حدث في البوسنة والهرسك ، وفي أفغانستان وفي العراق وفي الجزائر وفي بوروندي وغيرها من الدول الأخرى.

إن الموقف السلبي حيال نداء الشعوب المسلمة ومطالبتها بالتحرر والتغيير السياسي السلمي الحضاري، جعل هذه الشعوب تبدي شكوكها تجاه السياسات الغربية المعلنة ، لأن هذه الازدواجية في التعاطي مع قضايا الشعوب تغذي نظرة المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين.

واليوم يتم الحديث من جديد عن الإصلاح السياسي في العالم الإسلامي، ولم يعد هذا مطلب القوى السياسية الوطنية والإسلامية فحسب ، بل تحول إلى مطلب عالمي تسعى القوى العظمى لطرحه كألوية في سياساتها الدولية. ورغم أن القوى الديمقراطية الطامحة لتحرير شعوبها من هيمنة الديكتاتورية لا تزال تعاني الأمرين خاصة أن الأنظمة تستفيد من المناخ العالمي الخاص بما يُعرف بالحرب على الإرهاب، وتسوق نفسها على أساس أنها أكبر ضامن لمصالح الغرب في المنطقة، إلا أن الأوساط الصانعة للسياسة الغربية وخاصة سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية ، بدأت تنظر للمسألة بشكل مختلف. حيث هناك محاولة لتصحيح الصورة والنظر للمسألة باعتبارها الأساس لمشكلة الفساد السياسي وغياب الديمقراطية الحقيقية.

وعلى أية حال، وبغض النظر عن الدوافع المختلفة التي تختفي وراء دعوى فرض الديمقراطية في العالم الإسلامي و لو بصورة شكلية وسطحية، إلا أن هذه النظرة تدل على حدوث تطور هام جدا في نظرة صانع القرار الدولي للمشكلات العالمية التي تؤثر على التوازن والسلم العالميين. وهذا التطور هو حصيلة عملية تقييم جادة لمرحلة الحرب الباردة هذه ، وأثرها السلبي على العالم الإسلامي، هذا التقييم الذي قامت به العديد من المؤسسات البحثية التي لديها تأثير واضح على صناع القرار الدولي في مختلف المواقع سواء في أروقة الأمم المتحدة أو في كواليس البيت الأبيض وقصر الأليزيه.

لقد خلصت هذه المراكز إلى أن دعم النظم الديكتاتورية الغاشمة لم يعزز السلم العالمي ولم يدفع بمسارات السلام إلى نهاياتها المتوقعة ، بل أحدث فوضى عالمية لم تكن متوقعة ،وسمحت بنشر الاضطراب في أصعدة أخرى خاصة مجال التوازن الاقتصادي ، الذي بات يلعب لصالح العمالقة الأسيويين وعلى رأسهم الهند والصين ثم بعد ذلك كوريا و تايوان و تايلاند وماليزيا وسنغافورة .. وأخيرا إمارة دبي التي أصبح نفوذها المالي ودورها في التبادلات الاقتصادية يتعزز يوما بعد يوم.

وفي المقابل تعرضت كثير من الشركات العملاقة ذات المنشأ الأوروبي إلى اهتزازات شككت في مدى نجاعتها الاقتصادية بداية من شركات النسيج الأوروبية التي قامت بتسريح أزيد من نصف عمالها ورمتهم في خنادق البطالة، ومرورا بشركات المواد الغذائية المعلبة التي فقدت السيطرة على الأسواق الدولية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت