د. أسامه محمد أبو نحل
في دراسةٍ ليست بجديدة لتاريخ فلسطين القديم، قام الدكتور كمال الصليبي بتأليف كتاباً أسماه"التوراة جاءت من جزيرة العرب". والحق يقال، فإن هذه الدراسة جيدة، حاول فيها المؤلف نفي صلة بني إسرائيل أولاً واليهود ثانياً بفلسطين، وقام بسرد عدد من الوقائع والمعلومات ليدعم بها نظريته إزاء هذه القضية، ولم يكن بوسعي تجاهل عملٍ كهذا، رغم أنني قرأت هذا الكتاب منذ سنوات عدة، لكن اختلاف بعض الباحثين حول نظريته ما بين مؤيدٍ ومعارض، فإنني وجدت لزاماً علىَّ مناقشة الباحث عن بعض ما أورده في كتابه.
ومع اختلافي مع بعض أراء الدكتور الصليبي الواردة في كتابه، فإنني لا أتهمه بتغيير مسار التاريخ لهذه البقعة من الأرض ـ أي فلسطين ـ فهو باحث، والباحث يحاول دوماً دراسة الظواهر التاريخية للوصول إلى الحقيقة المجردة البعيدة عن أي أهداف دنيوية، لذلك نجده قد اجتهد قدر إمكانه، والمجتهد قد يصيب وقد يخطئ، غير أنه في النهاية حاول الوصول إلى نتيجةٍ ما، وكانت النتيجة التي وصل إليها، أن حركة تاريخ الكنعانيين وبني إسرائيل ثمَّ اليهود لم تكن أساساً في فلسطين، بل في جنوب غرب الجزيرة العربية، خاصةً فيما يحيط بمنطقتي عسير وجيزان، ودلل على صحة نظريته هذه بوجود عدد كبير من أسماء المدن الموجودة في تلك المناطق شبيهةً بأسماء المناطق الموجودة في فلسطين، أو بمعنى آخر أن الكنعانيين والإسرائيليين لمَّا هجروا موطنهم الأول في غرب شبه الجزيرة العربية إلى فلسطين، حملوا معهم أسماء مدنهم كنوعٍ من احتفاظ المهاجر الجديد بما يربطه بموطنه الأصلي.
وفي هذه الدراسة التي بين أيدينا سوف نقوم بذكر ما ذهب إليه الدكتور الصليبي والرد عليه إن اقتضى الأمر الرد، ونكرر القول إننا بذلك لا نبخس الرجل حقه فيما ذهب إليه، بل هو مجرد مجتهد، وعلى كل حال فكما يقول المثل العربي"لكل مجتهد نصيب".
يقول الدكتور كمال الصليبي في كتابه ص27:"لقد كان الأمر عبارة عن اكتشاف تمَّ بالصدفة، كنت أبحث عن أسماء الأمكنة ذات الأصول غير العربية في غرب شبه الجزيرة العربية عندما فوجئت بوجود أرض التوراة كلها هناك، وذلك في منطقة بطول يصل إلى حوالي 600 كيلو متر وبعرض يبلغ حوالي 200 كيلو متر، تشمل ما هو اليوم عسير والجزء الجنوبي من الحجاز، وكان أول ما انتبهت إليه أن في هذه المنطقة أسماء أمكنة كثيرة تشبه أسماء الأمكنة المذكورة في التوراة، وسرعان ما تبين لي أن جميع أسماء الأمكنة التوراتية العالقة في ذهني، أو جلها، ما زال موجوداً فيها، وقد تبين لي أيضاً أن الخريطة التي تستخلص من نصوص التوراة في أصلها العبري، سواء من ناحية أسماء الأمكنة أو من ناحية القرائن، أو من الإحداثيات، تتطابق تماماً مع خريطة هذه الأرض. وهي حقيقة ذات أهمية أولية، نظراً لأنه لم يثبت بعد إطلاقاً تطابق الخريطة الموصوفة في التوراة مع خريطة الأرض بين"النيل والفرات"التي اُعتبرت حتى اليوم أنها كانت بلاد التوراة."
وأكثر من ذلك، فإني لم أستطع العثور على مثل هذا التجمع لأسماء الأمكنة التوراتية، وفي صيغها الأصلية عادة، في أي جزء آخر من الشرق الأدنى. وهنا قدم الاستنتاج المذهل نفسه بنفسه: فاليهودية لم تولد في فلسطين، بل في غرب شبه الجزيرة العربية، ومسار تاريخ بني إسرائيل، كما رُوى في التوراة العبرية، كان هناك، في غرب شبه الجزيرة العربية، وليس في أي مكان آخر"."
إن المؤلف يعتمد هنا على إثبات صحة نظريته بالمواقع الجغرافية، وهو تشابه أسماء عدد من المدن الموجودة في التوراة بأسماء مدن موجودة في غرب الجزيرة العربية، وهذا وحده لا يكفي لإثبات صحة ما وصل إليه، فمن المعلوم أن اسم مدينة واحدة ربما يتكرر في عدة بلاد وتحمل المسمى نفسه، فعلى سبيل المثال يوجد على سطح هذه الأرض ثلاث مدن تحمل اسم مدينة غزة، الأولى في جزيرة العرب في بلاد بني سعد بن زيد بن مناة بن تميم، وقد نسب الأخطل الشاعر المشهور الوحش إلى غزة الموجودة في جزيرة العرب. والثانية ببلاد المغرب، بينها وبين القيروان نحو ثلاثة أيام، والثالثة في فلسطين.
وفيما يخص قول المؤلف، أنه لم يثبت بعد إطلاقاً تطابق خريطة التوراة مع خريطة الأرض بين النيل والفرات، والتي اعتبرت حتى يومنا هذا على أنها بلاد التوراة، فقد ثبت بالفعل أنه لم يكن لبني إسرائيل ثمَّ لليهود وجود أو سيطرة على تلك البقعة الكبيرة من الأرض، فأقصى توسع أو امتداد كان لبني إسرائيل لم يتجاوز جبل الكرمل وتل القاضي في شمال فلسطين، إلى بئر السبع في صحراء النقب الفلسطينية، وكان هذا أعظم اتساع لأي مملكة إسرائيلية حتى في زمن داوود وسليمان أعظم ملوك بني إسرائيل، لدرجة أن الساحل الفلسطيني الممتد شمالي يافا إلى جنوب غزة كان تابعاً للحكم المصري، ولم يدخل أبداً تحت الحكم الإسرائيلي، وهذا يدلل لنا أن كل فلسطين لم تقع تحت حكم الإسرائيليين حتى في ذروة فتوحاتهم.