اللواء الدكتور - فيصل بن جعفر بالي
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن من نعمة الله تعالى على البشر أن جعل في الأرض مستقراً ومتاعاً إلى حين؛ كما قال سبحانه: وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى"حين ( 36 ) {البقرة: 36} ."
والأرض لا تكون مستقراً إلا بتوافر الأمن في ربوعها، ولا تكون متاعاً إلا بتوافر الأرزاق والخيرات فيها. وبفقدان أحدهما يفقد الآخر؛ فالجوع يسبب الاضطراب وعدم الاستقرار، وزوال الأمن يسبب تعطل التجارات والمنافع مما يكون سبباً للجوع؛ ولذا قال القائل:"إذا أمن الناس شبعوا".
ولو نظرنا في واقع الأرض ومن عليها فإننا نجد أن الله تعالى سخر لبني آدم جميع ما فيها من الأحياء والمخلوقات في برها وبحرها وجوها؛ للانتفاع به غذاءً، وكساءً، وركوباً، وغير ذلك، وجعل لهم فيها أمناً إلا من اعتداء البشر بعضهم على بعض.
ولأن اختلال الأمن وقلة الرزق في الأرض لا تكون إلا نتيجة لتصرفات البشر الخاطئة، وبما كسبت أيديهم فإن الله تعالى أنعم على البشرية بالشرائع التي تضبط تصرفات هؤلاء البشر؛ حتى لا يبغي بعضهم على بعض، ولا يظلم بعضهم بعضاً.
ومن هنا كان العدل هو قوام الدنيا، والظلم هو سبب خراب العالم، كما قال الماوردي رحمه الله تعالى:"إن مما تصلح به حال الدنيا: قاعدة العدل الشامل الذي يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكبر معه النسل، ويأمن به السلطان، وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور؛ لأنه ليس يقف على حد، ولا ينتهي إلى غاية، ولكل جزء منه قسط من الفساد حتى يستكمل" (1) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام" (2) .
ويقول أيضاً:"العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة" (3) .
ولما كتب بعض عمال أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى إليه يقول:"أما بعد فإن مدينتنا قد خربت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لها مالاً يَرمُها به فعل"ردّ عليه عمر رحمه الله تعالى بقوله:"أما بعد: فقد فهمت كتابك، وما ذكرت أن مدينتكم قد خربت، فإذا قرأت كتابي هذا، فحصنَّها بالعدل، ونق طرقها من الظلم، فإنه مرَمَّتُها والسلام" (4) .
إذا تقرر ذلك فإن أي ظالم يسوم الناس لابد أن تكون نهايته أليمة، وعاقبته وخيمة، وإن تأخرت عقوبته وبدا للناس أنه نجا فما ذاك إلا إمهال من الله تعالى وإملاء لعله أن يتوب من ذنبه، ويقلع عن ظلمه؛ حتى إذا دنت ساعة أخذه كانت أليمة شديدة؛ كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله {:"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى"وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد 102 هود: 102} (5) .
وسنة الله تعالى في الظالمين أن يهلكهم بقارعة من السماء كما أهلك قوم نوح وعاداً وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين، كما قال سبحانه: فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 40 {العنكبوت: 40} .
أو يسلط عليهم ظالمين مثلهم يبغون عليهم ويظلمونهم؛ كما فعل الرومان باليونان، والفرس بالرومان، والبابليون باليهود، وغيرهم كثير. قال الله سبحانه في خبر ظلم بني إسرائيل وتسليط البابليين الظلمة عليهم وقضينا إلى"بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا 4فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا 5 {الإسراء: 4، 5} ."
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:"وقد أخبره الله عنهم - يعني أخبر النبي عن بني إسرائيل - أنهم لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقاً وما ربك بظلام للعبيد؛ فإنهم كانوا قد تمردوا، وقتلوا خلقاً من الأنبياء والعلماء" (6) .
أو يرسل عباده المؤمنين على الظالمين ليجتثوا ظلمهم، ويرفعوا بغيهم عن رقاب الناس؛ كما فعل المسلمون بالروم وفارس وسائر الممالك التي كانت ظالمة فأخضعها المسلمون لسلطانهم.
وما حصل في العراق هو من النوع الثاني؛ إذ سلط الله الظالمين من أهل الكتاب على الظالمين من أهل البعث بعد مدة طويلة امتدت لعقود من الإملاء لهم والإمهال.
وبنظرة سريعة على أعمال البعثيين نجد أنهم قد أفسدوا في الأرض، وحاربوا شريعة الله تعالى، وبغوا على الناس حتى كانت نهايتهم أليمة نسأل الله العافية والسلامة.