خالد حسن
يبدو أن"العقلانية"استقرت في أدبيات عدد من المشتغلين بالفكر الإسلامي وفي قاموس عدد من الكتاب والمفكرين باعتبارها أقدر المناهج على توفير الاستفادة العلمية من التراث، وعلى النظر والاستدلال الشرعي.
وما يدعو إليه هذا الجمع من الكتاب وأهل الرأي اليوم ليس جديدا، فإن أكثر من تولى النظر في عملية النهوض بواقع العالم العربي والإسلامي، لم يتردد في أن يجعل"العقلانية"في صدارة وسائل النهوض.
والدعوة إلى العقلانية اشتركت فيها تيارات إسلامية على اختلاف اختياراتها العقدية تزايدت في الشدة والانتشار على مدى فترة استغرقت قرنا ونصفا من الزمن وامتدت من نصف القرن التاسع عشر إلى نهاية القرن العشرين. دون أن يجددوا النظر في مسألة العقلانية، من خلال تمحيص مناهجها وقيمها، حتى يتبين لهم حدود وفائها بالأهداف الإصلاحية والتغييرية التي عُلقت عليها، بل وأكثر من ذلك، ظل هؤلاء الكتاب والمفكرين في غفلة عن أولوية التمحيص الملحة.
وإلى الآن لم يتفق دعاة هذا المنهج على تعيين النصوص التراثية التي يرونها أفضل تمثيل للنموذج العقلاني.
وهنا يبدو القصور فيما دعا له كثير من أهل الرأي والفكر، حيث إنهم:
-لم يبرهنوا على جدوى استخدام الآليات العقلية المنقولة من سياق الآخر، من مفاهيم وقواعد ومناهج ونظريات.
-لم يخضعوا هذه الآليات العقلانية للنقد الشامل، حتى تتبين"قدرتها التحليلية وكفايتها الوصفية وقوتها الاستنتاجية".
-لم يتعرضوا لنقد"العقلانية المعاصرة"من حيث هي"اختيار منهجي مخصوص"، فضلا على الارتباك والتضارب في تعريف"العقلانية".
بل إنهم لم يناقشوا أصلا المعايير التي ينضبط بها تعريف للعقلانية، ومن أبرزها: معيار الفاعلية، ويتعلق بالوسائل، معيار التقويم، ويتعلق بالمقاصد، ومعيار التكامل، ويتعلق بالنفع في المقاصد والنجوع في الوسائل. والمقام لا يتسع للتفصيل فيها حتى لا نغرق في الجانب للفلسفي والاصطلاحي لمسألة"العقلانية". وينبغي التنويه إلى أن التعريف الذي كان له بالغ الأثر في نقد التراث الإسلامي، هو"التعريف الأرسطي"، وثانيهما حديث لا يقل أثرا في الخطاب الإسلامي والعربي المعاصر، وهو"التعريف الديكارتي".
إن ما يمكن قوله الآن، اعتراضا على العقلانية"المبهمة"التي تطالب بها جمهرة من الكتاب وأهل الرأي في التعامل مع التراث وآلية للاجتهاد والاستنباط، أنها مشبعة بالتجريد ونقص التوجيه ما يجعلها غير كافية، بل بحاجة إلى التغيير والتطويع والتنقيح، يمكن أن تكون مؤهلة للظفر بحقيقة وطبيعة المعرفة التراثية. خاصة وأن هذه المعرفة ليس ذات اتجاه نظري خالص كأدوات العقلانية المنقولة، وإنما لها ارتباط راسخ بما يعرف بـ"الحقيقة العملية". ذلك أنها تتصل بالقيم السلوكية وتكتسب بالتعاون مع الغير في إظهار الصواب وتحقيق الاتفاق.
والذي اندفع في عملية إنزال لمعايير العقل النظري المنقولة على مثل هذه"الحقيقة العملية"الذي تميز بها التراث، انتهى إلى أحد أمرين: إما أنه استبعد أجزاء من التراث بحجة ضآلة درجتها من العقلانية، وإما إلى حمل أجزاء منه على وجوه من التأويل تفصلها عن بقية الأجزاء الأخرى، ولا يخفى ما في هذا من تعسف وتجني.
وليت المشتغلين بتقويم التراث والداعين لتبني"العقلانية"في النظر والاستنباط والاجتهاد، تنبهوا إلى أن"النظر في النصوص التراثية يستلزم بالضرورة الالتفات إلى الوسائل الذاتية التي انبنت عليها هذه النصوص والمضامين.".
وغالبا ما يرتبط الحديث عن"العقلانية"، في سياق الدعوة إلى التجديد، وكأنهما شرطان متلازمان، أو بما يوحي أن حركة التجديد الإسلامي المعاصرة قامت على"العقلانية المبهمة"، ونكتفي هنا بأهم الشروط النظرية والعملية التي ينبغي أن تتحقق في أي حركة تجديدية إصلاحية إسلامية، ومجموع هذه الشروط هي محصلة ما كتبه الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن والمفكر الإسلامي الشيح جعفر إدريس والمفكر والأديب د. محمد الأحمري، ونكتفي بذكر ثلاث شروط أساسية، ليست"العقلانية المبهمة"واحدة منها.
أولا: التحقق بالعمل الشرعي: وذلك يتحقق"الإنتاج الفكري التجديدي"بصفات العمل الشرعي، حتى لا تحرم من التوفيق الرباني، وهذا ردا على من فصل بين عملية الإنتاج الفكري وبين الممارسة الشرعية، حتى صار البعض منا يقسم المعرفة إلى قسمين: قسم له علاقة بالقيم العقدية مثل العلوم الشرعية والعقدية وقسم لا علاقة له بهذه القيم، مثل العلوم الرياضية والطبيعية، متجاهلا أن العلوم وشعب المعرفة، أيا كانت، ينبغي أن تخدم الحقيقة الشرعية من جهتين، إما باعتبارها كاشفة عن المقاصد الشرعية، وإما باعتبارها ضابطة للوسائل التي تمكن من الكشف عن هذه المقاصد، وهذا هو العاصم من دخول الانحرافات على مسار البحث العلمي وعلى مجرى التطبيق التقني.
ثانيا: استعمال العلم: فالتجريد إنما نتج عن"الانقطاع عن العمل"وتجاهل قيمته الفعلية في توجيه النظر والرأي، وهناك حقيقة مغيبة: أن إمكانيات البناء والتجديد النظري لا إلزام فيها إلا بالقدر الذي نلزم به أنفسنا.