فهرس الكتاب

الصفحة 13182 من 27364

هبة رءوف عزت**

ديفيد ريكاردو

أثار ظهور ما يسمى بالليبرالية الجديدة الاهتمام يإعادة قراءة الليبرالية الكلاسيكية؛ فالحق أن تلك الليبرالية الجديدة هي عودة سلفية لمبادئ الليبرالية قبل أن تتفاعل مع الحقبة الاشتراكية فتهذبها وتتبنى بعض السياسات والأفكار التي تحترم المساواة وحقوق الرفاهة للمواطن خارج منافسة السوق.

فالليبرالية الكلاسيكية هي الليبرالية الأولى التي ظهرت في الفترة الانتقالية بين الإقطاعية والرأسمالية، وقد وصلت إلى أوجهها في بداية الفترة الصناعية من القرن 19؛ ولذلك في بعض الأحيان يطلق على الليبرالية الكلاسيكية"ليبرالية القرن التاسع عشر"، وكانت المملكة المتحدة مهد الليبرالية الكلاسيكية؛ حيث تقدمت وتطورت الثورات الرأسمالية والصناعية. لذلك تأصلت الأفكار الليبرالية بعمق في الدول الأنجلوساكسونية مثل المملكة المتحدة وأمريكا أكثر من باقي دول العالم.

وقد أخذت الليبرالية الكلاسيكية أشكالا كثيرة، ولكن تعتبر الحرية السلبية هي الصفة المشتركة بين تلك النماذج المختلفة؛ فالفرد حر إذا ترك في حاله بدون تدخل الآخرين بأي صورة؛ فمعنى الحرية هنا هو غياب القيود الخارجية على الفرد. فهذا التصور للحرية يفرق بشكل ملحوظ بين الدولة والفرد؛ فالدولة كيان ظالم لديه السلطة لعقاب المواطنين ومصادرة أملاكهم بدفع الغرامات وسلب حرياتهم بالسجن، وفي بعض الأحيان تقضي على حياتهم بالإعدام. فبالتالي قيام الدولة حتى ولو كان ذلك عن طريق العقد الاجتماعي يقتضي حتميا التضحية بحرية الفرد الذي سيفقد المقدرة على عمل ما يريده.

ولاقت تلك المبادئ الأولى انتعاشا وإقبالا شديدا في النصف الثاني من القرن 20. وكان تأثيرها ملحوظا مرة أخرى في المملكة المتحدة والولايات المتحدة حيث توجد صحوة معاصرة لليبرالية الكلاسيكية تحت اسم الليبرالية الكلاسيكية الجديدة أو الليبرالية الجديدة التي ظهرت كرد فعل للتدخل المتزايد للحكومة في الشئون الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الفترة ما بعد الحرب والتي تجلت في اليمين الجديد.

وتأثرت الليبرالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر بنظريات كبرى حول الطبيعة الإنسانية قام بوضعها أصحاب الفكر النفعي أمثال جيرمي بنثام وجيمس ميل. اعتبر بنثام فكرة الحقوق"هراء"، وسمى الحقوق الطبيعة"هراء على ركائز"واستبدلها بما يؤمن بأنه أكثر عملية وموضوعية؛ ألا أن الفرد يتحرك بدافع مصالحه الذاتية التي تعرف بالرغبة في اللذة والسعادة وتجنب الألم. فيرى بنثام وكذلك ميل أن الناس يحسبون قدر اللذة والألم الصادر من كل فعل وموقف؛ فبالتالي يختارون ما يبشر بأكبر قدر من اللذة والسعادة. ويؤمن المفكرون النفعيون أن السعادة والألم يمكن قياسهم بالمنفعة آخذين في الاعتبار الكثافة والمدة وهكذا، فالإنسان في رأيهم يتحرى أكبر قدر ممكن من النفع بالسعي وراء أكبر قدر من اللذة والسعادة وأقل قدر ممكن من الألم.

ومن الناحية الأخلاقية يمكن النظر إلى المنفعة لمعرفة"صحة"اتجاه السياسات والمؤسسات في توفيرها للسعادة، تماما كالفرد في قدرته على حساب أكبر قدر من السعادة الصادرة من الفعل؛ حيث يمكن الاستعانة بمبدأ"أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد"في السياسات لصالح المجتمع ككل. وفي أوائل القرن 19 في بريطانيا اجتمع حول بنثام مجموعة من المفكرين المتشددين فلسفيا وعرضوا عليه مجموعة وكبيرة من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والقانونية، وكلها ترتكز على فكرة المنفعة العامة.

فقد كان للنفعية أثر بالغ في الليبرالية وخاصة أنها تطرح فلسفة أخلاقية تفسر كيف ولماذا يسلك الفرد على النحو الذي هو عليه. كذلك تبنت الأجيال اللاحقة من الليبراليين التصور النفعي للإنسان على أنه مخلوق عقلاني يسعى وراء مصالحه الشخصية، وهي فكرة محورية وراء فكر الييبرالية الجديدة أيضا.

فيستطيع كل فرد في نظرهم تحديد أفضل مصالحه الخاصة دون غيره؛ فلا يمكن لغيره -الدولة مثلا- أن تفعل ذلك له. وحسب بنثام الناس تتحرك في إطار اللذة أو السعادة التي يتمتعون بها وبالطريقة التي يختارونها؛ فلا لأحد سواهم يمكن أن يحكم على نوع أو درجة سعادتهم. فإذا كان كل فرد هو الحكم الوحيد لما سيسعده؛ فالفرد وحده هو القادر على تحديد ما هو صحيح أخلاقيا.

والنظرية الاقتصادية الكلاسيكية تبلورت بالأساس في أعمال اقتصاديين سياسيين أمثال آدم سميث وديفيد ريكاردو (1770 - 1823) . ويعتبر كتاب"ثروة الأمم"لآدم سميث أول كتاب يدرس في علم الاقتصاد؛ فقد اقتبس سميث أفكاره عن الطبيعة الإنسانية بشكل ملحوظ من الافتراضات الليبرالية والعقلانية، وكان له إسهامه المؤثر في الجدل حول الدور المرغوب فيه للحكومة بداخل المجتمع المدني. ومثل جوانب أخرى من الليبرالية الأولى كان أول ظهور علم الاقتصاد السياسي الكلاسيكي في بريطانيا، حيث كان التحمس الشديد لأفكار ومبادئ هذا العلم التي تبنتها أيضا الولايات المتحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت