محمد شاكر شريف
سؤال قصير ، لكنه في حاجة إلى جواب طويل ، واضح وصريح ، ومن الأهمية بمكان أن يعرف المسلمون جواباً صحيحاً لهذا السؤال ، وقد كُتبت - بحمد الله - عدة كتب في هذا المجال ، وما علينا إلا أن نعلم فنعمل .
نعود إلى جوانب سؤالنا ، ولن نتعب في العثور على الجواب الصحيح ، فقد كفتنا القواميس المؤلفة في البلاد الغربية ، التي نشأت فيها العلمانية ، مؤنة البحث والتنقيب ، فقد جاء في القاموس الإنجليزي ؛ أن كلمة"علماني"تعني:
1-دنيوي أو مادي .
2-ليس بديني أو ليس بروحاني .
3 -ليس بمترهب ، ليس برهباني .
وجاء أيضاً في نفس القاموس ، بيان معنى كلمة العلمانية ، حيث يقول:
العلمانية: هي النظرية التي تقول: إن الأخلاق والتعليم يجب أن لا يكونا مبنيين على أسس دينية .
وفي دائرة المعارف البريطانية ، نجدها تذكر عن العلمانية: أنها حركة اجتماعية ، تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب .
ودائرة المعارف البريطانية حينما تحدثت عن العلمانية ، تحدثت عنها ضمن حديثها عن الإلحاد ، وقد قسّمت دائرة المعارف الإلحاد إلى قسمين:
* إلحاد نظري:
* إلحاد عملي ، وجعلت العلمانية ضمن الإلحاد العملي .
وما تقدم ذكره يعني أمرين:
أولهما: أن العلمانية مذهب من المذاهب الكفرية: التي ترمي إلى عزل الدين عن التأثير في الدنيا ، فهو مذهب يعمل على قيادة الدنيا في جميع النواحي السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والأخلاقية ، والقانونية وغيرها ، بعيداً عن أوامر الدين ونواهيه .
ثانيهما: أنه لا علاقة للعلمانية بالعلم ، كما يحاول بعض المراوغين أن يلبس على الناس ، بأن المراد بالعلمانية: هو الحرص على العلم التجريبي والاهتمام به ، فقد تبيّن كذب هذا الزعم وتلبيسه ، بما ذُكر من معاني هذه الكلمة في البيئة التي نشأت فيها .
ولهذا ، لو قيل عن هذه الكلمة"العلمانية"إنها:"اللادينية لكان ذلك أدق تعبيراً وأصدق"، وكان في الوقت نفسه أبعد عن التلبيس وأوضح في المدلول .
كيف ظهرت العلمانية ؟!
كان الغرب النصراني في ظروفه الدينية المتردية هو البيئة الصالحة ، والتربة الخصبة ، التي نبتت فيها شجرة العلمانية وترعرعت ، وقد كانت فرنسا بعد ثورتها المشهورة هي أول دولة تُقيم نظامها على أساس الفكر العلماني ، ولم يكن هذا الذي حدث من ظهور الفكر العلماني والتقيّد به - بما يتضمنه من إلحاد ، وإبعاد للدين عن كافة مجالات الحياة ، بالإضافة إلى بُغض الدين ومعاداته ، ومعاداة أهله - أقول لم يكن هذا حدثاً غريباً في بابه ؛ ذلك لأن الدين عندهم حينئذٍ لم يكن يمثل وحي الله الخالص الذي أوحاه إلى عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ، وإنما تدخلت فيه أيدي التحريف والتزييف: فبدلت وغيرت وأضافت وحذفت ، فكان من نتيجة ذلك أن تعارض الدين المُبدَّل مع مصالح الناس في دنياهم ، ومعاملاتهم في الوقت نفسه الذي تعارض مع حقائق العلم الثابتة ، ولم تكتف الكنيسة - الممثلة للدين عندهم - بما عملته أيدي قسيسيها ورهبانها من التحريف والتبديل ، حتى جعلت ذلك ديناً يجب الالتزام به ، وحاكمت إليه العلماء المكتشفين ، والمخترعين ، وعاقبتهم على اكتشافاتهم العلمية المناقضة للدين المُبدّل ، فاتهمتهم بالزندقة والإلحاد ، فقتلت من قتلت ، وحرَّقت من حرَّقت ، وسجنت من سجنت .
ومن جانب آخر فإن الكنيسة - الممثلة للدين عند النصارى - أقامت تحالفاً غير شريف مع الحكام الظالمين ، وأسبغت عليهم هالاتٍ من التقديس ، والعصمة ، وسوَّغت لهم كل ما يأتون به من جرائم وفظائع في حق شعوبهم ، زاعمةً أن هذا هو الدين الذي ينبغي على الجميع الرضوخ له والرضا به .
من هنا بدأ الناس هناك يبحثون عن مهرب لهم من سجن الكنيسة ومن طغيانها ، ولم يكن مخرجهم الذي اختاروه إذ ذاك ، إلا الخروج على ذلك الدين - الذي يحارب العلم ويناصر المجرمين - والتمرد عليه وإبعاده وطرده ، من كافة جوانب الحياة السياسية ، والاقتصادية ، والعلمية ، والأخلاقية ، وغيرها .
ويا ليتهم إذ خرجوا على هذا الدين المُبدّل اهتدوا إلى دين الإسلام ، ولكنهم أعلنوها حرباً على الدين عامة .