نردد كثيراً قول الشاعر: إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. فهل هذا هو حال الولايات المتحدة الأمريكية مع قضية العراق، حصار العراق، ضرب العراق، تأديب صدّام، تجريده من أسلحة الدمار الشامل، أطفال العراق ، شعب العراق، مسؤولون أمريكيون يجوبون أقطار العالم ليتحدثوا عن خطورة صدام حسين، وأن الحصار لابد أن يستمر وأن أي مال يدخل إلى العراق لا بد أن يذهب إلى صدّام فيشتري به السلاح ويعود إلى صناعة أسلحة الدمار الشامل. ويسمع المسؤولون الأمريكيون من يقول لهم إنّ وجهة نظركم قد تكون صحيحة لولا أنكم لا تريدون أن تسمعوا وجهات النظر الأخرى في الموضوع.
هل صحيح أن أمريكا لا تعرف أن ما يحدث اليوم في العراق من استمرار المقاطعة ثمانية أعوام كاملة إنما هو استمرار الوضع الراهن بأن يُحكِمَ صدّام قبضته على الشعب العراقي الذي يعاني من المقاطعة ما لم تعانيه لا اليابان ولا ألمانيا بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية، وكأن المقاطعة إنما هي خاصة بالشعوب العربية الإسلامية. وكأن مشاهدة معاناة الشعب العراقي وموت أطفاله وبيع المواطنين العراقيين أثاث منازلهم والبحث عن لقمة العيش إنما هو فيلم سينمائي يتسلى به الإعلام الغربي فيما تبثه له المحطات الفضائية الأمريكية.
ومن إيجابيات وجود مراكز البحوث والدراسات الأمريكية أنها تصدر بين الحين والآخر دراسات عميقة ومتزنة ومن ذلك الدراسة التي كتب عنها الأستاذ محمد صلاح الدين في هذه الصحيفة ( 9شوال 1419هـ) وصدرت في مجلة شؤون خارجية Fo r eign Affai r s بقلم ثلاثة من الباحثين الأمريكيين وطالبت الدراسة برفع العقوبات الاقتصادية عن العراق، وإلغاء حظر الطيران المفروض في شمال وجنوب العراق مقابل عودة عمليات التفتيش (ولكن أليست ثماني سنوات كافية لمعرفة كل شبر في العراق؟)
لقد سبقت الحكومة السعودية هذه المبادرة العلمية الأمريكية حين اقترحت رفع العقوبات الاقتصادية عن الشعب العراقي وكانت مبادرة إنسانية رائعة بحق يجب على العالم كله أن يسارع إلى تنفيذها برفع المعاناة عن شعب العراق. فهذه المعاناة لم تكن يوماً مقتصرة على الدواء والغذاء، فإن شعب العراق الذي يتجاوز تعداده العشرين مليوناً محروم من أن يكون له طائرات ومطارات وجامعات وكتب ومؤلفات والمواد المحظور إرسالها إلى العراق تشمل الأفلام والأوراق ودواء الأسبرين للأطفال ومواد تعقيم المياه والمعدات الطبية وغيرها( د. وليد أحمد فتيحي ، المدينة المنورة 10رمضان 1419هـ.
إن العراق لمن كان له اطلاع على الحركة الثقافية قبل عشر سنوات كان يعيش انتعاشة فكرية ثقافية متميزة، وما زلت أذكر أن إحدى مكتبات المدينة المنورة كانت متخصصة في استيراد إنتاج الجامعات العراقية.
إننا لم نخسر العراق بموت أطفاله وموت شعبه والموت جوعاً فقط، ولكننا خسرنا بلداً عربياً كان يوماً ما ملء سمع العالم وبصره، البلد الذي كان مقر الخلافة العباسية، والعراق بلد عربي شقيق يرجى أن يكون في القريب العاجل نعم الأخ الشقيق والجار الذي يحترم الجيرة وأن يكون جنده دعماً للأمة العربية الإسلامية في مستقبل الأيام. وقبل ذلك أليس مما نؤمن به قوله تعالى )إنّما المؤمنون إخوة ( وقول صلى الله عليه وسلم(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسهر) .
وكان للصحافة السعودية دور مبارك في الحديث عن هذه المبادرة الخيرة وأهمية الإسراع في تنفيذها فقد كتب الدكتور وليد فتيحي نقلاً عن نشرة أمريكية:"إن الحظر الاقتصادي قد كوّن جيلاً جديداً، ورفع نسبة الإجرام بما فيهم الأطفال وزادت نسبة الدعارة والفساد. إن عزل الشعب العراقي عن العالم سيزيد من دعم النظام العراقي"ويضيف الدكتور فتيحي"بأن العالم سيدفع ثمن عقاب الشعب العراقي المنكوب."
وأختم بما كتبه الأستاذ محمد صلاح الدين (المدينة المنورة 8 شوال 1419) ـ):"ومن هنا تأتي الأهمية البالغة للمبادرة السعودية التي دعت لرفع هذه العقوبات مع إحكام القبضة على تصرفات النظام الحاكم.."فمن ينقض الصحيفة؟