صورة الإسلام في الخطاب الغربي (14)
حرب لتغيير طبيعة الإسلام!
د.محمد عمارة
إن الحرب ضد الإسلام ليست حربًا على"جماعات العنف العشوائي"الإسلامية ولا على ما يسمى"بالإرهاب"، وإنما هي"حرب داخل الإسلام"، لتغيير طبيعته وخصوصيته"وحتى يقبل الحداثة بمعناها الغربي"، أي القطيعة مع خصوصيته وماضيه"فيصبح علمانيًا، يقبل المبدأ المسيحي: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فيقف عند ما لله في ملكوت السماء والدار الآخرة، وخلاص الروح، ويترك دنيا العالم الإسلامي وثرواته للهيمنة الأمريكية والغربية!
وبعبارات"فوكوياما":"فإن الحداثة التي تمثلها أمريكا وغيرها من الديمقراطيات المتطورة ستبقى القوة المسيطرة في السياسة الدولية، والمؤسسات التي تجسد مبادئ الغرب الأساسية ستستمر في الانتشار عبر العالم... وهذه القيم والمؤسسات تلقى قبولًا لدى الكثير من شعوب العالم غير الغربية، إن لم نقل جميعها... لكن السؤال الذي نحتاج إلى طرحه هو: هل هناك ثقافات أو مناطق في العالم ستقاوم، أو تثبت أنها منيعة على عملية التحديث"بهذا المعنى الأمريكي والغربي؟
ثم يجيب"فوكوياما"على هذا التساؤل الذي طرحه فيقول:
"إن الإسلام هو الحضارة الرئيسة الوحيدة في العالم التي يمكن الجدال بأن لديها بعض المشكلات الأساسية مع الحداثة.. فالعالم الإسلامي يختلف عن غيره من الحضارات في وجه واحد مهم، فهو وحده قد ولّد تكرارًا خلال الأعوام الأخيرة حركات أصولية مهمة، ترفض ليس السياسات الغربية فحسب، وإنما المبدأ الأكثر أساسية للحداثة: التسامح الديني.. والعلمانية نفسها.. وإنه بينما نجد شعوب آسيا وأمريكا اللاتينية، ودول المعسكر الاشتراكي السابق وإفريقيا الاستهلاكية الغربية مغربة، وتود تقليدها، لو أنها فقط استطاعت ذلك، فإن الأصوليين المسلمين يرون في هذه الاستهلاكية دليلًا على الانحلال الغربي".
فالرفض الإسلامي ليس فقط لظلم السياسات الأمريكية والغربية.. وإنما هو رفض للتبعية لمنظومة القيم الغربية.. ولذلك يعلن"فوكوياما"أن هذه الحرب التي أعلنتها أمريكا والغرب على الإسلام المقاوم، ليست حربًا على"جماعات العنف العشوائي"ولا على هذا الذي سموه"إرهابًا"وإنما هي حرب على الإسلام الرافض للحداثة الغربية والعلمانية الغربية والاستهلاكية الغربية.. يعلن ذلك في"صراحة عارية"يحمد عليها فيقول:
"إن المسألة ليست ببساطة حربًا على الإرهاب، كما تظهرها الحكومة الأمريكية بشكل مفهوم (؟!) وليست المسألة الحقيقية كما يجادل الكثير من المسلمين هي السياسة الخارجية الأمريكية في فلسطين أو نحو العراق. إن الصراع الأساسي الذي نواجهه لسوء الحظ، أوسع بكثير، وهو مهم، ليس بالنسبة إلى مجموعة صغيرة من الإرهابيين، بل لمجموعة أكبر من الراديكاليين الإسلاميين، ومن المسلمين الذين يتجاوز انتماؤهم الديني جميع القيم السياسية الأخرى... إن الصراع الحالي ليس ببساطة معركة ضد الإرهاب، ولا ضد الإسلام كدين أو حضارة، ولكنه صراع ضد العقيدة الإسلامية الأصولية التي تقف ضد الحداثة الغربية.. وإن التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة، اليوم هو أكثر من مجرد معركة مع مجموعة صغيرة من الإرهابيين، فبحر الغاشية الإسلامية الذي يسبح فيه الإرهابيون يشكل تحديًا أيديولوجيًا هو في بعض جوانبه، أكثر أساسية من الخطر الذي شكلته الشيوعية"!
ثم يتحدث"فوكوياما"عن"التطور الأهم"الذي يجب أن يحدث للإسلام ذاته والذي يجب أن يتم داخل الإسلام، لتعديل الإسلام حتى يصبح قابلًا للحداثة الغربية والعلمانية الغربية والاستهلاكية الغربية، فيقول:"إن التطور الأهم ينبغي أن يأتي من داخل الإسلام نفسه، فعلى المجتمع الإسلامي أن يقرر فيما إذا كان يريد أن يصل إلى وضع سلمي مع الحداثة، خاصة فيما يتعلق بالمبدأ الأساسي حول الدولة العلمانية"؟.. أم لا؟! (1) .
فالقضية في التحليل الأعمق ليست"إرهاب"جماعات العنف العشوائي.. ولا هي"قارعة سبتمبر سنة 2001م"ولا حتى السياسة الخارجية الأمريكية المعادية لقضايا المسلمين العادلة... فكل ذلك تجليات للصراع بين المشروع الغربي وبين النزوع الإسلامي إلى التمايز الحضاري والاستقلال القيمي والثقافي، والذي يرفض الهيمنة الغربية التي تفرض حداثتها وعلمانيتها على العالم، بما في ذلك عالم الإسلام.
الهوامش
(1) "النيوزويك"العدد السنوي ديسمبر سنة 2001م فبراير سنة 2002م.