محمد الإبراهيم
ليس غريباً أن يخترع الغرب المصطلحات والشعارات ويطرحها في سوق النفاق العالمي، ليبدأ أصحاب الكلام الذين يسمون أنفسهم (المثقفين المتنورين) بعقد الندوات والمؤتمرات والكتابة في الصحف والدوريات لمناقشة هذه الشعارات وكأنها حقيقة لا مفرّ منها، وتمر الأيام والسنون ونحن مشغولون بقضية وهمية أو قضية طرحت (بخبث) لتشغلنا عن الهدف الحقيقي، وتوقعنا في (الفخ) الذي يريدون [1] .
لقد أتقن الغرب هذه الصناعة، كما أتقن الدعاية لها وتسويقها وتضخيمها حتى يظن الظان أنها سوف تحل كل المشاكل العالقة، ومن الأمثلة الواضحة ما طرح منذ فترة بعنوان (المتوسطية) [2] يعنون بذلك الشعوب القاطنة حول البحر الأبيض المتوسط، ويقولون: إن هذه الشعوب تملك حضارة واحدة [3] وتحمل هموماً مشتركة، فلماذا لا نتعاون كمتوسطيين؟ قد يغتر أو ينخدع بعض الناس بمثل هذه المصطلحات ويقولون: لماذا لا نتعاون وهذه حقيقة جغرافية نستغلها لصالحنا، ويجب أن نبحث عن تحالفات وتنظيمات مع الشعوب الأخرى التي هي أرقى منا وأعلم، والحقيقة أن هذه (المتوسطية) إن هي إلا إبعاداً للهوية العربية الإسلامية، وليس المقصود بها أن تكون اقتصادية بحتة، ويعقد مؤتمر في (مرسيليا) ويطرح السؤال: هل نحن عرب أم متوسطيون؟ هكذا وبجرة قلم يمحى تاريخ أمة وحضارتها لصالح بوتقة لا تسمن ولا تغني من جوع، وهل يوضع المسلمون في وضع من يناقش: هل الجزائر أو طرابلس الغرب أو بيروت مدن عربية أم لا؟ وهل الشيخ ابن باديس والمجاهد عمر المختار من هذه المنطقة الإسلامية أم متوسطيون؟ ولكن كما يقال: إذا عُرف السبب بطل العجب، فعندما نعلم أن الذين يناقشون مثل هذه الموضوعات يعتزون بتراث اليونان والرومان ويريدونها خلطة عربية عبرية أوربية، ويريدون جعل (المتوسطي) بديلاً عن المسلم العربي، وعندما نعلم لمن يعمل هؤلاء، وما هو الثمن الذي يتناولونه لطرح هذه الموضوعات عندها نعلم أنها حلقة من سلسلة طويلة من الصراع.
وجاء الحديث عن (العولمة) أو كما سماها بعضهم (الكوكبة) فلم يعد هناك خصوصيات لثقافة أو اقتصاد، فالعالم أصبح قرية صغيرة، والتكتلات الثقافية والاقتصادية تحيط بنا من كل جانب، ولابد أن نفكر فيها أو نخضع لها.
العالم يتلقى ضخاً متواصلاً من الإعلام الذي يريد فرض ثقافة معينة على باقي شعوب الأرض، الشركات العملاقة تتكتل، المصارف الكبرى تتوحد، صندوق النقد الدولي يتحكم بالدول الصغيرة، قمة السبع الكبار، منظمة التجارة العالمية، العالم يعيش التقويم الميلادي، ويعش توقيت غرينتش، والدولار هو ميزان العملات.. الخ، هذه العولمة التي تعقد لها الندوات والمؤتمرات وتناقش صباح مساء على صفحات الدوريات، وبعض الكتاب يروج لها ويريدنا أن نخضع لها، بل إن بعضهم يطرح السؤال التالي: هل سيكون القرن الحادي والعشرين الميلادي أمريكياً لأن أمريكا تملك القوة العسكرية والاقتصادية الأقوى في العالم؟.
وأمريكا تطرح نفسها فعلاً كزعيمة للعالم، وبأقل جهد ممكن أيضاً، لأنها ستدير القوى التابعة لها لتقوم بالدور المطلوب الذي يصب أخيراً في مصلحة الزعامة الأمريكية. فحقيقة العولمة إذن هي (الأمركة) أو العولمة الأمريكية. لأن هذا الضخ الإعلامي وهذه الهيمنة الاقتصادية لم يأت من آسيا أو أفريقيا؛ وإنما من الغرب وتحديداً من أمريكا، وهذه العولمة تركز على أمرين: الثقافة والاقتصاد، فقد أصيب الغرب بزهو حضاري بعد انتهاء المعسكر الشرقي الشيوعي وراح يفرض نفسه ثقافياً، فالنظام الليبرالي الرأسمالي هو (نهاية التاريخ) والشعوب الأوربية قطعت نهر التاريخ إلى الضفة السعيدة، والشعوب الأخرى ما تزال في (مستنقع التاريخ) كما صرح (فوكوياما) وتضخمت وسائل الإعلام بشكل مخيف، فقد استخدمت هذه الوسائل أكثر من (500) قمر صناعي، وأمريكا تريد من العالم أن يسمع CNN وأمثالها، وفي الجانب الاقتصادي سيشهد القرن المقبل تحكم 20% من سكان الكرة الأرضية في العالم أجمع، وهذه القوى العظمى هي التي تسعر الدولار والبترول الذي تدهورت أسعاره ليتناسب مع اقتصادها، وخسرت الدول المنتجة حتى الآن (60) مليار دولار، وستذهب هذه الأموال إلى جيوب المؤسسات الغربية، وكل ما وقع من انهيارات اقتصادية في شرقي آسيا أو وسط أمريكا يصب في خانة (العولمة) ، إنه تغريب للعالم واجتثاث للجذور.
وماذا عن واقعنا تجاه هذه (الأمركة) ، الدول العربية تتنازل عن كل شيء في سبيل الانضواء تحت المظلة الأمريكية، وبعض الدول العربية يلغي نفسه وتاريخه مقابل إلغاء ديونه، والمنهزمون (والمهرولون) يطرحون صيغة (العولمة) على أنها ظاهرة واقعية لا ينفع معها الرفض أو السلبية، بل لابد أن نكون جزءاً منها، فالعالم يتغير، ولن ينتظرنا أحد!!.
ونقول لهؤلاء: