الطيب بوعزة *
يتبدى مفهوم الليبرالية - سواء في طرحه الفلسفي أو السياسي أو الاقتصادي - مفهوماً زئبقياً ينفلت من التحديد والتعريف، مفهوماً مخاتلاً غارقاً في الالتباس.
والواقع أن إشكال التعريف ليس خاصاً بمفهوم الليبرالية تحديداً، بل هو المشكل الدلالي المزمن الذي تعاني منه جميع المفاهيم السياسية, وذلك راجع إلى أنها ليست مجرد دوال لفظية حتى يمكن الاكتفاء فيها بالمقاربة المعجمية، بل هي أفكار مجسدة في الواقع، وموصولة بالتاريخ، وما يعتمل فيه من تدافع وصراع، وما يختزنه من اختلاف وائتلاف.
والتحليل التداولي لهذا النوع من المفاهيم يكشف أنه من السذاجة الحديث عن إمكان إنجاز تحديدات موضوعية، هذا فضلاً عن أن مفهوم الموضوعية ذاته يبقى نسبياً جداً في حقل العلوم الإنسانية.
ومن ثم فالخطاب المثقل بنغم الشعارات، الذي أخذ صيته يتعالى في الفكر العربي المعاصر حول الليبرالية، والذي يتحدث عنها وكأنها نمط محدد الدلالة والملامح، وعلى نحو من اليقين والقطع والجزم؛ يخفي أو يجهل إشكالات الدلالة والرؤية في الفلسفة والمذهب الليبرالي.
كما أن الحديث عن الليبرالية بوصفها نمطاً جاهزاً في إدارة الشأن السياسي والاقتصادي يتجاهل أنها ليبراليات عديدة وليست واحدة، وأن تناولها على ذلك النحو من التعميم سواء رفضاً أو قبولاً هو تناول يسقط في مزلق التعميم، فضلاً عن الخلط والالتباس، وتأسيساً على ما سبق تغدو معاودة التفكير في النظرية الليبرالية، ومعاينة دلالاتها، وتعدد أنماطها؛ مقدمة ضرورية لبلورة حوار معرفي جاد.
ومن الملاحظ في لحظتنا هذه أن الجدل لم يقتصر على واقعنا العربي، بل يسود أقطاراً ووقائع مجتمعية أخرى، فالكل يتحدث اليوم عن الليبرالية، وقد تصاعد الجدل واشتد في مختلف المنتديات السياسية والفكرية، وانفصل الأطراف المتجادلون إلى مواقف حدية جد متطرفة في تقويم النموذج الاقتصادي والسياسي الليبرالي، وتحديد الموقف منه.
وإذا رجعنا إلى النصوص التي أرجعت الفكرة الليبرالية وفلسفتها إلى واجهة النقاش السياسي المعاصر سنلاحظ أن هذه النصوص ترجع إلى لحظة بداية التسعينيات من القرن العشرين، وهي اللحظة التي تُزَامِن انهيار المعسكر الشرقي الذي سيشكل سقوطه مناسبة لإعلان الأيديولوجية الليبرالية بوصفها النموذج الفكري والسياسي الأقدر على تنظيم الاجتماع، وإدارة مشكلاته السياسية والاقتصادية.
بل لم يعد الحديث عنها بوصفها نظاماً مجتمعياً من بين أنظمة أخرى منافسة، بل أصبحت تُقدم بوصفها النظام الواحد والوحيد!! فالمفكر الأمريكي فوكوياما مثلاً سيسعى مرتكزاً على رؤية هيجيلية للتاريخ إلى القول بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأفضل ما كان وما سيكون في نظره هو الأيديولوجية الليبرالية التي تؤشر على نهاية التاريخ.
بمعنى أن صيرورة تطور البشرية آخذة حتماً في نقل أنظمتها المجتمعية نحو الانتظام بالنظام الليبرالي، وقبل فوكوياما كان المفكر الإيطالي جيدو دو روغييرو قد بلور تقريباً ذات الموقف من الليبرالية في بداية القرن العشرين في كتابه"تاريخ الليبرالية الأوروبية" (1925) .
في مقابل هذا الاحتفاء والتبجيل اللذين حظيت بهما النظرية والفلسفة الليبرالية عند البعض، ثمة أيضاً توجه مناهض لها على أساس أنها مجرد قناع لإخفاء تغول الرأسمال، وتفتيت أنساق القيم، وتدمير المقومات الأخلاقية للحياة، بل إنها - حسب نقادها - غير قادرة على تحقيق حتى شعاراتها الاقتصادية الأساسية، فالرفاه الذي يعد به المشروع الليبرالي يتحول واقعياً إلى مجرد وهم جميل، وذلك بفعل تضاد المقاصد المثالية لليبرالية مع الواقع المحكوم بجشع الرأسمال، حيث يستحيل المجتمع المنتظم وفق النسق القيمي لليبرالية، القائم على الحرية والفردانية، إلى واقع تصارعي متوحش لا يحتكم لأي قيمة إنسانية، بل يسوده قانون الغاب.
بين هذا الاحتفاء والتبجيل، وذاك النقد والتحذير؛ لابد أن يبرز السؤال: ما هي دلالة المشروع الليبرالي؟
يرجع لفظ الليبرالية من حيث الاشتقاق اللغوي إلى اللفظ اللاتيني"ليبراليس"الذي يعني"الشخص الكريم، النبيل، الحر"، ومن بين هذه الدلالات الاشتقاقية التي يحملها اللفظ نجد أن المعنى الأخير (أي"الشخص الحر") هو المعنى الذي سيكون مرتكز البناء الدلالي للمفهوم لاحقاً.
حيث نلاحظ أنه حتى نهاية القرن الثامن عشر لم يكن لفظ الليبرالية متداولاً، بل كانت الكلمة الشائعة هي"ليبرال" (libe r al) التي قصد بها وقتئذ"الشخص المتحرر فكرياً"، لكن في نهاية القرن التاسع عشر نجد أن لفظ الليبرالية سيظهر كدال على رؤية مذهبية لها أساسها الفكري، ونظريتها السياسية والاقتصادية.