تركي الزميلي 22/8/1423
"ما من مجتمع آخر، أنتج مجموعة من الشعراء، والفلاسفة،"
والدبلوماسيين، المؤمنين بالعنصرية، كتلك التي أنتجتها الطبقة الحاكمة الأوروبية والأمريكية. وما من مجتمع آخر شابَههُ، في الربط بين قيمه الدينية والخلقية والاجتماعية والشخصية، وبين العنصرية، بهذا الرباط الوثيق"كافين رايلي،"الغرب والعالم"."
"الاولوية للأرباح والقوة، أما الديموقراطية التي تتعدى الشكل فهي خطر يجب تجنبه، وأما حقوق الإنسان فهي ذات قيمة ذرائعية، في خدمة الأهداف الدعائية لا أكثر"تشومسكي،"الغزو مستمر"
عاد فوكوياما مرة أخرى على صفحات الجارديان والوول ستريت جورنال بالتزامن في الثلاثاء الماضي إلى تأكيد فكرة نهاية التاريخ، تحت عنوان:"الغرب ينتصر"، مع عنوان فرعي يقول:"الإسلام الراديكالي لا يستطيع هزيمة الديموقراطية والرأسمالية. إننا لم نزل عند نهاية التاريخ."وإذا كان الذي دفع فوكوياما إلى الكتابة هو الرواج الذي حظيت به مقولة"صراع الحضارات"على حساب فكرة"نهاية التاريخ"، بعد أحداث ثلاثاء أمريكا الأسود، فإن المسار الذي اتخذه المقال لا يمكن أن يقرأ خارج إطار التمركز الغربي العنصري على الذات. غير أن الأسوأ هنا هو الانحياز، والنقص البارز في المعلومات والتحليل، عن قصد، أو عن جهل بالعالم الاسلامي وشؤونه. فالممانعة ضد الغرب، ممثلةً هذه المرة في العداء لأمريكا ليس سببُها سياسات أمريكا العدائية، والداعمة للاحتلال، والقاتلة لمليون طفل عراقي في عقد واحد، ونهب ثروات المنطقة بكل الوسائل الضاغطة، وترهيب الشعوب والحكومات معا، وتشجيع الطبقة السياسية على قمع شعوبها، وبخاصة كلما ظهر فيها نزعة رفض للهيمنة الغربية، وجعل ذلك بطاقة النجاة الوحيدة لها ولبقائها، لا يستحق كل هذا بالنسبة لفوكوياما أن يكون سبباً مقنعاً لتفسير مظاهر المعاداة لأمريكا.
يقول فوكوياما:"هذا البغض العريض والكراهيه ربما يمثلان شيئا أكثر عمقا من مجرد مقاومة السياسات الامريكية، من مثل دعم اسرائيل او الحصار على العراق..."وحين يقدم ما يراه المسبب الأرجح لهذا الكره الشعبي فإنه يقول:"ربما يكون هذا الكره مولودا من رحم الاستياء من النجاح الغربي وإخفاق العالم الاسلامي".
وبالتالي فإن كل هذه الشعوب قد اختصرت في لافتة واحدة مبسطة وقابلة للرواج ومريحة للضمير الغربي"الحر"صاحب"العدالة المطلقة"، فالأمر كله مواجهة مع"الحسد". هذه هي الحقيقة كما توصل إليها فوكوياما الباحث العميق في فلسفة التاريخ، والناطق باسم"الإنسان الأخير".
ثم إن العالم الاسلامي كله غير مؤهل لدخول نهاية التاريخ، ماعدا النموذج التركي الذي منحه فوكوياما إمكانية شغل إحدى شقق نهاية التاريخ، لأن حكومته الديموقراطية وهي النموذج التركي الوحيد. وطبعا الدليل على ذلك حكومة العسكر التي تحرم وتسجن آلاف الطالبات وأساتذة الجامعات لمجرد إصرارهن على حقهن في تغطية شعر الرأس داخل الجامعة وخارجها. لقد كان الظن بأن هذا النوع الخاص من الديموقراطية التي تحمل أقسى أنواع الديكتاتورية والقمع إنما هي نموذج يروجه الخط السياسي الرسمي من السياسة الأمريكية والغربية، لكن يبدو أن فوكوياما لا يخرج عن إطار الامتداد المعاصر لخبراء الاستشراق الذين قدموا النظريات المعرفية والتبريرات الأخلاقية للمستعمر على مدى قرون متتابعة.