فهرس الكتاب

الصفحة 3704 من 27364

* محمد عمارة

أعتقد أن العقل العربي والمسلم يحتاج إلى وقفة يصنع لنفسه فيها جدول أعماله أي يعي التجديد ويجدد موقفه من المشكلات المطلوب منه أن يجنى من ورائها ثماراً. أي لا يتحول إلى مجرد صدى أو رد فعل لجدول الأعمال الذي يحدده الفكر الغربي والإعلام الغربي لأننا يجب أن نتسائل بالنسبة لقضية العولمة: هل نحن بالفعل بصدد قضية جديدة؟

ففجأة وجدنا مصطلحاً أُلقى به في الساحة فبدأنا نتحدث عنه.

فأنا بودي أن نقف وقفة مستقلة مع النفس نبدأ بعدها الحديث من خلال منطقنا نحن.. من خلال أولوياتنا نحن ونحدد جدول أعمالنا على أساس الأولويات التي تواجهنا.

وأنا في الموضوع أميز ـ وأعتقد أن هذه ليست نقطة خلافية وكلكم تتفقون حولها ـ بين العالمية والعولمة لأن العالمية تمثل الأفق الاسلامي لأن الاسلام دعوة للعالمين منذ المرحلة المكية وبالتالي فإن العالمية ليست غريبة عن الرؤية الاسلامية بل الرؤية الاسلامية نزاعة إلى الرؤية العالمية انطلاقاً من أن الاسلام هو الرسالة الخاتمة والعالمية.

والعالمية تعني أن هناك حضارات متعددة ومتميزة أي أنها ليست متماثلة وأيضاً ليست منغلقة منعزلة ومعادية وإنما هناك نوع من الخصوصية ونوع من التشابه. أي أن هناك مشترك بين كل هذه الحضارات وهناك بصمات ثقافية وحضارية تميز كل حضارة عن الحضارات الأخرى. وبين هذه الحضارات هناك قاسم مشترك تتفق عليه هذا هو البعد العالمي أو هذه هي العالمية في الكوكب الذي نعيش فيه.

والمفروض أن تكون المؤسسات الدولية لهذا النظام العالمي ـ إذا جاز استخدام هذا المصطلح ـ ممثلة للخصوصيات المختلفة والقاسم المشترك بين الحضارات العالمية.

أما إذا جاءت حضارة من الحضارات واجتاحت العالم بقوتها وفرضت نمطها في الثقافة والمثل والقيم وطريقة العيش على العالم فهذه الحضارة لا يمكن أن تكون عالمية وإنما هذا ما يسمى خطأ بالعولمة لأن العولمة من المفروض أن تعني شيئاً عالمياً ولكن هذا الذي يفرض الآن باسم العولمة ليس عالمياً وإنما هو الرؤية الغربية.. النظام الغربي.. الهيمنة الغربية كل هذا يفرض على الحضارات الأخرى.

ومن هنا يكذبون إذا تحدثوا عن التنوير.. يكذبون إذا تحدثوا عن الشرعية الدولية.. فكل هذا لا علاقة له لا بالدولية ولا بالعالمية ولا بالقسم المشترك بين الحضارات الانسانية.

إذاً لا بد من التمييز بين العالمية التي نحن معها ونحن دعاتها وبين هذا الذي يبشرون به باسم العولمة لأنني قد تابعت بعض الأبحاث التي قدمت في الندوات فوجدت أناساً عقلاء ووجدت أناساً ليسوا أناساً أصلاً. فللأسف الشديد أجد أحد الأشخاص الذين ولدوا بمنزل الوحي بالمملكة العربية السعودية يتحدث عن العولمة على أنها قدر لا مفر منه. هذا رجل ينكر القضاء والقدر الإلهي ويتحدث عن أمريكا على أنها قدر فهل مثل هؤلاء الأناس هم الذين يرسمون لهذه الأمة طريقها ومسارها. إنهم يتحدثون عن العولمة على أنها قطار لأبد أن نركبه وإلا ضاع منا الطريق وضعنا في هذا العالم وهذا إنكار للقضاء والقدر.

ويكذبون عندما يقولون أن وسائل الاتصال جعلت العالم قرية واحدة. صحيح أننا أمام ثورة كبيرة في عالم الاتصال لكن هذه القرية الواحدة بيوتها ليست سواء.. سكانها ليسوا سواء. أي أن هذه القرية بها الظالم والمظلوم بها القاتل والمقتول.. بها مَن يتأجج بأسلحة الدمار الشامل ومَن ينزع سلاحه وتنزع أظافره. انظروا لما حدث اليوم: لقد ضرب الطيران الأمريكي أحد الرادارات العراقية قرب البصرة لماذا؟

لأن هذا الرادار رصد طائرات بريطانية فوق أرض العراق!. أي أنه مجرد أن تفتح عينك على مَن يقتحم عليك أرضك وسيادتك تستحق أن تضرب. إذاً أين هي القرية الواحدة؟!.

وإسرائيل لديها الأسلحة النووية وتقوم بهذا الاقتراء الذي تمارسه في ظل هذه القرية الواحدة.

وعلى ذلك فنحن نريد أن نسأل أولئك الذين يطالبوننا بركوب قطار العولمة على أساس أن العالم قد غدا قرية واحدة: هل المطلوب مننا ن نركب القطار كعبيد؟!.

فحديثهم هذا عن القرية الواحدة لا يعني أن الناس سيصبحون سواسية فالاغتصاب للأرض والعرض والحرمات والمقدسات في بلادنا على قدم وساق والأمة الاسلامية تحرم وحدها من حق تقرير المصير في فلسطين.. في كشمير.. في الفلبين.. في البوسنة والهرسك وبلاد البلقان.. في كل أنحاء أمتنا. حقك في التنمية.. حقك في أن تحكم بالقانون الذي تريده كل ذلك محرم على هذه الأمة.

فالكلام عن القرية الواحدة لا يعني أن أهل هذه القرية الواحدة أصبحوا سواسية وبالتالي نحن مدعوون أن نكون مواطنين كاملي المواطنة في هذه القرية الواحدة. وأريد أن أقول أن ظاهرة أن يفرض الغرب هيمنته على الآخرين ليست ظاهرة جديدة. فعندما كانت الأمبراطورية البريطانية لا تغرب عنها الشمس ألم تكن هذه عولمة؟ كان القرار يصدر في بريطانيا وينفذ في مصر وفي الهند وفي بلاد لا تغرب عنها الشمس.

وعندما كان الرومان يحكمون العالم وكانوا هم الأشراف والسادة وغيرهم البرابرة ألم تكن هذه عولمة؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت