د. محمد الحضيف 2/5/1427
مدخل:
ظل هاجس الأسلمة، يلحّ على الإسلاميين منذ نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، على يد الرواد، من زعماء التجديد والإصلاح، من أمثال محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وحسن البنا، وآخرين. الاستعمار الأوروبي لمعظم البلاد العربية، عبر الاحتلال العسكري، والهيمنة السياسية، أفرز آثاراً تغريبية على مجمل نواحي الحياة، وبشكلٍ خاص.. الجوانب الاجتماعية والثقافية.
أدت سيطرة مظاهر الحياة الغربية، على المشهد الثقافي والاجتماعي في العالم العربي، والقطيعة شبه الكاملة مع التراث، من حيث هو محدّد للهوّية، ومعبّر عن أسلوب حياة الناس.. إلى دفع كثير من القيادات الفكرية، والرموز الثقافية، إلى التفكير الجاد، بطرح (بدائل) إسلامية. كانت هناك دعوات لأسلمة النظام السياسي، والمعاملات المالية والاقتصادية.. والثقافة، فظهرت الكتابات، التي تؤصّل دور الإسلام في السياسة، وبرزت أيضاً .. الدعوة إلى إسلاميّة المعرفة، وكذلك أسلمة الأدب.. وهكذا في فترة لاحقة، اتخذت هذه الدعوات، شكل العمل المؤسّسي، فنشأت الأحزاب السياسية، والبنوك، والمؤسسات التعليمية، وقامت رابطة للأدب الإسلامي.. بالإضافة إلى مؤسسات إعلامية، تَركّزَ نشاطها في البداية، على إنتاج وتوزيع دروس ومحاضرات، في الشريط المسموع (الكاسيت) ، ومحاولات ضعيفة، لإنتاج أعمال (درامية) على الفيديو.
إشكالية المصطلح:
مثل غيره من الأنشطة الإنسانية، واجهت محاولات أسلمة العمل الإعلامي عقبة فنية، لها علاقة بتحديد الجانب التطبيقي للمصطلح .. ونطاق عمله. المشكلة التي واجهت مصطلح (الإعلام الإسلامي) ، لم تقف عند تعريف ماهية النشاط وطبيعة الممارسة، بل تعدتها كذلك إلى وضع آلية لتطبيق المصطلح نفسه، ووضعه موضع التنفيذ .. بسبب تعقد النشاط الإعلامي، وتجاوزه مفهوم الممارسة الإعلامية البسيطة المتمثلة بمحاضر يتحدث من خلال شريط كاسيت.
منذ البداية .. واجه المهتمون بأسلمة الإعلام معضلتين: العنصر البشري، ومضمون الرسالة الإعلامية. السؤال الأساس .. كان:
من الذي (يمثل) الإعلام الإسلامي؟ هل يجب أن يكون (شيخاً) .. أو شخصاً محسوباً على المؤسسة الدينية بالضرورة؟
تحوُّل النشاط الإعلامي إلى صناعة معقدة .. متجاوزاً المفهوم البدائي الأول للإعلام، جعل تحقيق هذا الشرط أمراً مستحيلاً. أدرك الداعون إلى الأسلمة أنه لا يمكن توفر (شيخ) في كل نشاط إعلامي، وأنه إن كان هذا ممكناً، في البرنامج الحواري مثلاً، فإنه يصعب تحقيقه في الدراما.
مأزق العنصر البشري المؤهل، قاد .. كنتيجة حتمية، إلى التركيز على مضمون الرسالة الإعلامية. أصبحت هناك قناعة أن الجمهور يهتم ويتأثر بـ (الرسالة) ، بدرجة أكبر، وأن (المؤدّي) ، أو الناقل للرسالة، يأتي بالدرجة الثانية. لكنْ .. ثمة سؤال آخر، أنتجته القناعة الجديدة:
ما هي الرسالة الإعلامية، التي يمكن أن يُعَبّرَ عنها، بأنها (إعلام إسلامي) ؟
هل هي النصوص القرآنية الكريمة وتفاسيرها، والأحاديث الشريفة وشروحاتها .. و (تمثيل) السلوكيات المرتبطة بهما، من خلال فن من فنون الإعلام؟ أم أن الإعلام الإسلامي: هو كل ما دخل في دائرة (الأخلاقي) ، الذي أقره الإسلام، وحضّ عليه .. كما ورد في الأثر، عن النبي صلى الله عليه وسلم"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. الجدل حول هذه المسألة، خَلُصَ إلى نتيجة مفادها أن الإعلام الإسلامي:
هو كل قول أو ممارسة إعلامية، منضبطة بضوابط الشريعة، دون أن يكون هناك (نص ديني) يأمر بها مباشرة.
مفهوم الإعلام (النقي) :
أحدث الانفجار الإعلامي.. الفضائي منه على وجه الخصوص، رد فعل سلبي، لدى شريحة اجتماعية كبيرة. في غضون فترة قصيرة، امتلأ الفضاء العربي بالعشرات من قنوات الأفلام والموسيقى، التي لا تخضع لأي معيار أخلاقي، بل تعتمد فقط على الإثارة ودغدغة الغرائز. البث الفضائي المنفلت من أي ضابط أخلاقي سبب صدمة للتيار المحافظ العريض، في الشارع العربي.
الشكوى من ( غربة ) الإعلام العربي عن المجتمعات العربية، وانتهاجه منحى (تغريبياً) ، بعيداً عن ثقافة المجتمعات العربية، وهوية الأمة.. لم تعد مقتصرة على (الإسلاميين) . المشاهد العربي، المحافظ بطبيعته، شعر كذلك، بخطورة ما تبثه تلك الفضائيات، على النسق الأخلاقي للمجتمع، وبآثاره المدمرة على الشباب من الجنسين، وتهديده لتماسك الأسرة.
الواقع (الملوث) للفضائيات العربية، والإعلام العربي بشكل عام.. من وجهة نظر الشريحة المحافظة، واشتمال مضامينه، و (الرسائل الإعلامية) التي يبثها على الكثير من التجاوزات غير الأخلاقية، رفع درجة الاستياء .. وزاد من وتيرة الدعوة لإعلام (نظيف) وَبنّاء const r uctive، أو ما صار يُطلق عليه، لدى بعض (السوسيولوجيين) ، والإعلاميين.. بـ (الإعلام النقي) .