فتوى علماء الهداية الإسلامية:
وضعت دولة فرنسا في تونس قانوناً فتحت به للوطنيين باب التجنس بالجنسية الفرنسية، ومعنى التجنس بهذه الجنسية أن ينسلخ المسلم عن أحكام الشريعة الإسلامية ويلتزم أن تجري عليه قوانين فرنسا حتى في الأحوال الشخصية - كالنكاح والطلاق والمواريث - وأن يقف في صفوفها عند محاربتها ولو لأمة إسلامية، وأن يكون أولاده ومن يتناسل منهم فرنسيين كذلك.
وقد ألفت جمعية الهداية الإسلامية لجنة من أفاضل علمائها تحت رياسة حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ علي محفوظ وكيل الجمعية والمدرس بكلية أصول الدين، وبحثت اللجنة مسألة التجنس، فرأت أن الأدلة القائمة على ردّة المتجنس قاطعة، فكتبت فتوى بذلك وقدمتها إلى مجلس إدارة الجمعية فقرر نشرها بالصحف تحذيراً للمسلمين من الوقوع في هاوية الارتداد عن الدين. وقد جاءت هذه الفتوى موافقة لما أفتى به جماعة من جلّة العلماء أمثال حضرات أصحاب الفضيلة الأستاذ الشيخ الدجوي، والشيخ محمد شاكر، من هيئة كبار العلماء بمصر، والشيخ إدريس الشريف محفوظ مفتي بنزرت، وغيرهم.
ولم تكتف فرنسا بوضع هذا القانون الذي تفسد به على المسلمين أمر دينهم، بل استعملت القوة في دفن هؤلاء المرتدين في مقابر المسلمين.
فجمعية الهداية الإسلامية تنكر على الدولة الفرنسية استعمال القوة في دفن هؤلاء المرتدين في مقابر المسلمين، وترى أن في هذا العمل إهانة للمسلمين واستخفافاً بشعورهم واعتداء عليهم من ناحية من نواحي دينهم، وتنتظر من الدولة الفرنسية أن تدرك قبح هذا الاعتداء وتعرف ما ينتج عنه من سوء العاقبة وتعدل عن اضطهاد المسلمين في تونس وإكراههم على أن يعدّوا المتجنسين مسلمين، ويقبلوا دفن جثثهم وهم مرتدون عن الدين في مقابر معدة لدفن أموات المسلمين.
وهذا نص الاستفتاء والفتوى:
ما قول ساداتنا العلماء - أمتع الله بهم الأمة - في رجل مسلم تجنس بجنسية أمة غير مسلمة اختياراً منه، والتزم أن تجري عليه أحكام قوانينها بدل أحكام الشريعة الغراء حتى في الأحوال الشخصية كالنكاح والطلاق والمواريث، ويدخل في هذا الالتزام أن يقف في صفوفها عند محاربتها ولو لأمة إسلامية، كما هو الشأن في التجنس بالجنسية الفرنسية الآن في تونس.
فهل يكون نبذه لأحكام الشريعة الإسلامية، والتزامه لقوانين أمة غير مسلمة طوعاً منه ارتداداً عن الدين، وتجري عليه أحكام المرتدين، فلا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، أو كيف الحال؟ وإذا كان خلع أحكام الشريعة من عنقه، والتزامه لقوانين أمة غير مسلمة ردة، فهل ينفعه أن يقول بعد هذا الالتزام إني مسلم أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ أفتونا، أعلى الله بكم كلمة الدين، وجعلكم من العلماء الراشدين المرشدين.
أحد التونسيين النازلين بمصر
الفتوى:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإن التجنس بجنسية أمة غير مسلمة على نحو ما في السؤال هو تعاقد على نبذ أحكام الإسلام عن رضا واختيار، واستحلال لبعض ما حرم الله، وتحريم لبعض ما أحل الله، والتزام لقوانين أخرى يقول الإسلام ببطلانها، وينادي بفسادها.
ولا شك أن شيئاً واحداً من ذلك لا يمكن تفسيره إلا بردة ولا ينطبق عليه حكم إلا حكم الردة، فما بالك بهذه الأربعة مجتمعة في ذلك التجنس الممقوت؟
1 -إن الله - تعالى - يقول في نبذ أي حكم من أحكام الشريعة: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما ) ).
2 -ويقول جل شأنه في النسيء، وهو من جملة استحلال الحرام وتحريم الحلال: (( إنما النسيء زيادة في الكفر [1] يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، زين لهم سوء أعمالهم، والله لا يهدي القوم الكافرين ) ).
3 -ويقول - تعالى - فيمن التزم شريعة أخرى غير الإسلام: (( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) )، أضف إلى ما سبق أن التجنس المذكور فيه موالاة للكفار، ونصرة لهم على المسلمين، وفيه تعاقد على أن هذا المتجنس يقف في صف الأمة غير المسلمة إذا نفر النفير ولو ضد أمة إسلامية.