فهرس الكتاب

الصفحة 15007 من 27364

محمد حامد الناصر

العصرانية هي أي وجهة نظر في الدين، مبنية على الاعتقاد بأن التقدم العلمي والثقافة المعاصرة، يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة (1) .

فالعصرانيون اعتمدوا منهج التفكير الفلسفي العقلي، وكانت القيمة الأساسية فيه للعقل كمصدر للمعرفة.

ويعتمد المذهب العقلي على تفسير كل شيء في الوجود من خلال العقل... ويتعامل أصحاب هذا المنهج مع النصوص الشرعية عن طريق التأويل وفقاً لمعطيات العقول، مع تقديم العقل على النقل.

أما المدرسة العصرانية ذات النزعة المادية:

فقد أضاف روادها إلى الانحرافات السابقة انحرافات جديدة، إذ اعتمدوا منهج التفكير المادي (الوضعي) ، الذي ينظر إلى العالم الخارجي، باعتباره يمثل الحقيقة الكبرى الكاملة، وأن هذه الحقيقة الموضوعية، ذات وجود مستقل عن الإنسان.

وفي المنهج المادي: يكون التعامل مع النصوص الشرعية بإلغاء دلالتها، والحصول على المعرفة من مصادر وضعية، مثل: التاريخ والسير في الأرض، لمعرفة: كيف بدأ الخلق؟! والاعتماد على سنن الأنفس والآفاق، وقوانين الطبيعة والاجتماع، وقد تبنى أصحاب هذه المدرسة آراء المعتزلة والقدرية في القول بالمشيئة، وتبنوا نظرية داروين والمذهب الوضعي للفيلسوف (كانت) ، كما أنهم أظهروا إعجابهم بالنتائج التي توصلت إليها الماركسية.

يقول الشيخ جودت سعيد:"الوجود الخارجي - أي المادي - هو الحقيقة الثابتة، التي نرجع إليها عند الاختلاف والصور الذهنية قابلة للنقصان" (2) .

ويقول الطبيب خالص جلبي:"الواقع الخارجي والسير في الأرض هو الأساس، وليس السير في الكتاب والسنة؟! وإن الاستغناء بالكتاب عن الواقع هو الذي قاد العالم الإسلامي إلى كارثة مروعة" (3) .

بينما يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: فلا وربك لا يؤمنون حتى"يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ( 65 ) {النساء: 65} ."

ويعتبر (جودت سعيد) من أبرز دعاة المذهب المادي المعاصر، فهو يدعو إليه منذ أكثر من ثلاثين سنة، من خلال الخطاب الإسلامي، في كتبه ومقالاته وندواته.

وسار على هذا الطريق الطبيب (خالص جلبي) تلميذه وزوج أخته، وتكاد تكون آراؤه رجع الصدى، لآراء شيخه جودت.

وسوف نتحدث عن أبرز منطلقات هذا التيار في هذه المقالة وما يتبعها إن شاء الله تعالى، في حلقة ثانية.

إيمانهم بنظرية داروين:

وهي نظرية خطيرة، تناقض العلم الصحيح، وتتنكر للأديان السماوية، فهي تعتمد على"أن أصل الحياة خلية، كانت في مستنقع أو بحر، قبل ملايين السنين، ثم تطورت هذه الخلية، ومرت بمراحل عديدة منها: مرحلة القرد، الذي تطور ليكون منه هذا الإنسان".

وهذه العملية كلها من فعل الطبيعة"وأن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق".

"وقد وجدت اليهودية في داروين فرصة سانحة؛ لتقويض عقائد (الأمميين) ، وإزالة ما بقي من أثر للدين في حياة الناس"."فحين يكون الإنسان حيواناً، أو امتداداً لسلسلة التطور الحيواني، فأين مكان العقيدة في تركيبه؟ وأين مكان الأخلاق؟ وأين مكان التقاليد الفكرية والروحية والاجتماعية؟!" (4) .

وقد رفض العالم الإسلامي هذه النظرية؛ لأن داروين وضع تصوراً غريباً لنشوء الحياة، وقد رد عليها عدد من العلماء الغربيين، وعلماء الدارونية الحديثة"كما أن العلم تبرأ من هذه النظرية، وأبطل الأساس الذي تقوم عليه، وقد جرى تعديل أفكار (داروين) مرات عديدة، تحت اسم (الدارونية الحديثة"(5) .

لكن المنهزمين والمبتدعة، يرفضون إلا التبعية الذليلة ومجانبة حقائق الشرع والعلم الصحيح.

وقد بذل (جودت سعيد وخالص جلبي) جهوداً مضنية في كتاباتهم لتقريب نظرية التطور هذه إلى المسلمين، تحت شعار العلمية الزائفة (6) .

يقول الدكتور (خالص جلبي) :"لقد فتح داروين الطريق لمعرفة سر الحياة، وأصل الإنسان بشكل عام، وهذا بدوره شق الطريق إلى مجموعات جديدة من فضاءات المعرفة.. لقد تركت الدارونية بصماتها على الفكر الإنساني من خلال علم الاجتماع، على الشكل الذي طوره البريطاني (سبنسر) " (7) .

وعندما سئل (جلبي) عن مدى قناعته بنظرية داروين قال:"أتعجب منكم، وأنا أتحدث لكم في علم (الأنثروبولوجيا) فمثلي ومثلكم كالأخرس الذي يريد أن ينقل عن آخر مهمة الكلام... ومثل طالب الحضانة الذي تقرأ على رأسه فيزياء الكم" (8) .

فجلبي يزعم أن المسلمين إلى اليوم، ليسوا في مستوى مناقشة مقولة داروين، مع نزعة الاستعلاء والتجهيل للآخرين.

وكان جودت سعيد - وما يزال - من أكبر المبشرين بنظرية دارون هذه.

فهو يستغرب من العالم الإسلامي رفضة لنظرية داروين ويعنف المسلمين الذين ترسخت في أذهانهم فكرة معينة لنشوء الخلق"من خلال الوقوف عند حرفية النصوص المقدسة - كتاباً وسنة - وليس من خلال السير في الأرض، فأهملوا فكرة نشوء الخلق، ولم يلتفتوا إلى الآية الواضحة التي تحدد مصدر المعرفة: كيف بدأ الخلق من السير في الأرض" (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت