محمد أحمد منصور
مع أن قضية تغيير المناهج التعليمية في المنطقة الإسلامية لم تفتر منذ معاهدة كامب ديفيد، مرورًا باتفاقيات مدريد وما تلاها، إلا أنها طفت على السطح وازدادت زخمًا في ظل أحداث سبتمبر الشهيرة، وذلك من خلال الربط الأمريكي بين المناهج التعليمية المقررة في عدد من الدول من بينها مصر والسعودية وباكستان وبين ما تسميه الولايات المتحدة إرهابًا، وزاد حجم التركيز خاصة على التعليم الديني، ورأت الدول الغربية الفرصة مناسبة من أجل إجراء عمليات تغيير واسعة في المناهج وفقًا لما كانت تطالب به تلك الدول سرًا من قبل.وقد رأينا بعض الأقلام التي تتكلم بكلامنا كيف قلبت الأمور في الوقت الذي انكشف المستور، وبان وجه العداء وهدفه.
وازدادت مطالب الدول الغربية حدة وصراحة بتغيير المناهج، والتلويح بالاتهام بالمروق في وجه الدول التي تأبى التغيير.
لقد أصبح جليًا أن قضية المناهج التعليمية لم تعد شأنًا داخليًا ترتبه الحكومات متى وكيف شاءت، وتهمله أو تؤجله متى فترت، وإنما أصبحت شأنًا عالميًا في ظل ثقافة العولمة وبفعل أدواتها، وأصبحت في منطقتنا العربية والإسلامية قضية ذات أبعاد ثقافية واقتصادية وسياسية بل وربما عسكرية إن لزم الأمر.
صحيح أنها لم تكن المرة الأولى التي تكتسب فيها هذه الأبعاد لكنها هذه المرة كانت الأكثر وضوحًا، والتي حشدت كل الأبعاد فيها دفعة واحدة، بحيث لم تعد مسألة تغيير المناهج التعليمية وفق الجداول المطلوبة شأنًا داخليًا بل أصبح إدارة عالمية وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط.
والأبعاد المختلفة: سياسية يطرحها مندوبو الدول على طاولة المفاوضات.
واقتصادية تشترطها الجهات المانحة على تعدد انتماءاتها من أجل منح قروض ومعونات أو إسقاط بعض الديون (1) .
ودينية تطرح ضمن أوراق حوار الأديان، بل تعدى الأمر ذلك إلى تلويح بالقوة من أجل تغيير المناهج وفقًا للهوى الأمريكي، وربما اكتست ثوب البحث العلمي حينًا آخر، فتقام من أجلها المؤسسات و تخصص لها الموازنات.
لقد عملت منظمة اليونسكو من قبل في هذا المجال، لكنه لم يكن عملًا ملزمًا للحكومات لوجود الصراع القطبي، لكنه مع تغير معادلة النظام الدولي بدأ الأمر يأخذ شكل الإلزام.
والأمر كما هو مطروح ضمن برامج المساعدات والمنح، مطروح أيضًا ضمن بنود اتفاقيات السلام مع اليهود، ويطالب به اليهود باستمرار ضمن مشروع الشرق أوسطية.
ومطروح أيضًا ضمن شروط البنك الدولي لمساعدة الدول في برامج التنمية، ومطروح في مباحثات الشراكة البحر متوسطية، واللجان البحثية المشتركة، إلى جانب عشرات أو ربما مئات الندوات والمؤتمرات المختلفة المشارب والتوجهات التي تستعلن حينًا وتستخفي حينًا، وتُجمل حينا وتُفصل حينًا.
كما لم يعد سرًا أن تغيير المناهج وفقًا للمنظور العولمي مدرجة ضمن البنود الثقافية لاتفاقية تحرير التجارة العالمية التي تتبناها الدول الكبرى، والتي يتم مناقشتها باستمرار في المنتديات الاقتصادية التي أصبحت تعقد بصورة منتظمة؛ وفي أحد هذه المؤتمرات قال وزير خارجية مصر السابق (عمرو موسى) : «إن الوقت قد حان لوضع تصور جديد لمنطقة الشرق الأوسطـ في حقبة ما بعد انتهاء الصراع العربي الإسرائيلي الذي أعاق المنطقة بصورة كبيرة عن تحقيق التقدم» ، ويضيف: «إن عنوان منتدى دافوس للعام الحالي: «هو بدايات جديدة» ، لذلك لا بد من إعداد الأرضية المناسبة للمفكرين والمثقفين وأصحاب الرأي والشعوب للإسهام في وضع تصور جديد لمنطقة الشرق الأوسط» ومن ثم أصبحنا أمام عشرات الطرق التي تؤدي إلى تحفيز الدول أو دفعها في اتجاه علمنة أو عولمة المناهج التعليمية، ومن لم تُجْدِ معه هذه الأساليب فهناك أساليب أخرى ليست عن واقعنا المشهود ببعيدة.
الخطير في الأمر أن المطالب الغربية الأخيرة صادفت قلبًا عربيًا خاليًا بل مخلىً لهذا الغرض، وقرارًا مسكونًا بحلم التغيير، فسهل لهم ما أرادوا وبصورة فجة في عدد من التجارب كما حدث في باكستان واليمن والأردن مؤخرًا، وقد اعترف سياسيون في الأردن واليمن أن عملية تبديل المناهج تخضع لإشراف البنك الدولي.
لقد جاء صوت التغيير هذه المرة أكثر وضوحًا وأعلى صوتًا وأكثر جرأة، وطاول مرتقى صعبًا من مكنون بيضة التعليم الإسلامي؛ إذ فُتح باب التغيير على مصراعيه، وشمل مجاله زوايا كانت بادي الرأي في مأمن من أن يتطرق لها الحديث، وكانت الطامة في بوادر الاستجابة التي أبداها البعض هنا أو هناك، على طريقة و «بيدي لا بيد عمرو» «عض قلبي ولا تعض رغيفي» ، والرغيف في التعبير هنا حمال أوجه لما يكون من نصيب أو عرض زائل من متاع الدنيا.