فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 27364

وهنا تجدر المقارنة بين التطوير الذي يجري هنا والذي يجري في إسرائيل؛ فالتعليم في إسرائيل يسير وفق الخط البياني المرسوم له منذ قيام الدولة لا يخطئ قدر أنملة، بل يتقدم على المرسوم والمستهدف في قفزات تطويرية ضمنت للدولة اللقيطة التفوق العلمي والتقني على مجموع الدول العربية. وفي الوقت الذي يطالَبُ فيه المسلمون بتصفية المدارس الدينية يزداد التعليم الديني في إسرائيل رواجًا وانتشارًا ويحظى أصحابه بمزايا عديدة تمنحها لهم الدولة لا يحظى بها خريج التعليم العلماني هناك، على أن ما يسمى بالتعليم العلماني هناك ما زال يحمل بوضوح الحلم اليهودي بأفكاره وقيمه التلمودية وأساطيره الصهيونية، وتاريخه التوراتي.

تبديل المناهج:

تتم عملية التغيير تحت مسميات براقة يجعل منها صنم عجوة يقدس حينًا وتنزع القداسة عن سواه، ثم لا يلبث أن يؤكل أمام جوعة من الجوعات ليصنع صنمًا جديدًا مثل ألفاظ التطوير والتنمية والثورة العلمية؛ فالعملية لا بد أن تتم بأسماء براقة. والحقيقة أن التطوير لم يكن تطويرًا بشهادات الواقع، واعترافات المسؤولين، وتقويمات المتخصصين من أهل الشأن، وإنما هي واقعة ضمن التبديل، بدلالته القرآنية.

أما لفظ «المنهج» فهو يتخطى حقيقة مادة المقرر التعليمي إلى خلفيات العقدية والتربوية؛ لأن المنهج لا يحمل مادة معلوماتية مجردة، وإنما يحمل إلى جانب حقائق العلم أو أغاليط التصور؛ منهجية الحكم، وأسلوب التعامل، وطريقة الحياة.. وهذه التي يسعى الغرب إلى تغييرها، ومن ثم فإن حذف عبارة معينة من منهج مقرر للدراسة قد لا تعني مجرد تغيير ألفاظ بغيرها فقط، ولكن تعني لونًا من التحريف والتبديل الذي يراد به ما بعده، ومن هنا نجد أن عملية التبديل التي تمت في المناهج إنما عمدت إلى طريقة بعينها، فقامت على طمسها بعناية يعوزها في كثير من الأحيان اللياقة.

ولا يعني وصفنا له بالتبديل هنا أن الأصل سالم مبرأ.. لا!.. وإنما للإشارة إلى أمر خطير هو أن التبديل إنما عمد إلى معاني الكمال فمحاها، وكثيرًا ما أبقى ما سواها، والتتبع لهذه المسألة أمر يطول، ولكن يمكن ببعض الأمثلة من النموذج المصري بما يمثله من تجربة لها ريادتها وخبرتها في هذا المجال أن يطلع القارئ الكريم على قدر العناية التي كانت تصفى بها مادة الإسلام من مقررات التعليم، ربما للأمور التي ذكرناها وربما لمآرب أخرى.

تجربة التغيير في مصر:

بين عام 1979 إلى 1981 تغيرت مناهج التربية في مصر، مواد التاريخ والقراءة، وحذفت كل النصوص التي تتعلق بالحروب بيننا وبين إسرائيل (1) .

ففي مقررات الثانوية العامة قررت هذه العبارة حول ردود الأفعال على معاهدة السلام المصرية مع اليهود:

«رحبت جميع دول العالم المتحضرة باتفاقية السلام في هذه المنطقة الهامة بالنسبة لدول العالم، أما الدول العربية التي عجزت عن فهم المتغيرات الدولية واختلال ميزان القوى في العالم، فإنها لم ترحب بالاتفاقية «يعني سبب إحجام العرب هو تخلفهم وضيق أفقهم فلم يقبلوا بهذا السلام، في حين أن الدول المتحضرة هي التي استوعبت التطور الجديد» !

ثم تتابع التغيير بمعدل بطيء، حتى أواخر الثمانينيات.

ثم بدأت مرحلة جديدة في أواخر الثمانينيات بتولي الدكتور أحمد فتحي سرور ـ وهو قانوني تعلم في فرنسا ـ حقيبة التعليم في مصر، فقام بقفزة واسعة في تصفية المناهج وفقًا للمطالب الصهيونية، وكانت المرة الأولى منذ تمصير التعليم التي يشرف على تغيير المناهج لجان أجنبية ضمن مراكز التطوير، ويشارك في وضعها أسماء أجنبية.

ثم تسلم الحقيبة بعده د. حسين كامل بهاء الدين ـ طبيب أطفال معروف بعلمانيته الشديدة، فأكمل ما بدأه الدكتور سرور وكان من أعماله:

-تصفية مادة الدين تمامًا من معاني العبودية وإبقاؤها في ثوب التعاليم الأخلاقية والإرشادات التي تسير على الطريقة الفلسفية في الأخلاق، كما هو الحال تمامًا في الخطاب النصراني.

-زيادة جرعة الإفساد في مناهج اللغات، من خلال تضمين الكتب عبارات ماجنة، وإشاعة حياة الرقص والاختلاط والموسيقى والغناء، وقد احتوت المناهج الحديثة على عدد من المغنين، والشعراء والقصاصين الذين ألبسوا ثوب العالمية، وقدموا للطلبة نماذج تحتذى للنجاح في الحياة العملية.

-تم تقرير مادة الثقافة الجنسية على طلبة وطالبات السنة الأولى والثانية من المرحلة الثانوية أي في سن المراهقة، وقد أشار بعض الطلبة إلى أن طلبة السنة الأولى لا ينتظرون حتى ينقلوا للسنة الثانية، وإنما يقومون باستعارة مقرر السنة الثانية لقراءته! وقد أكدت الدراسات الاجتماعية إلى شيوع عدد من المنكرات الشرعية من جراء شؤم هذه المادة ومنها انعدام الحياء وخصوصًا لدى النساء كالحديث عن أدق قضايا الفراش على الملأ وفي المجالس العامة، والتي يستحيي المرء العف في كثير من الأحيان أن يصرح بها حتى لزوجته أو الزوجة لزوجها، ومنها انتشار ظاهرة الزنا المقنن المسمى زورًا بالزواج العرفي داخل دور العلم، هذا فضلًا عن شيوع ثقافة العشق، إلى غير ذلك من زيادة في معدلات ألوان أخرى من المعاصي والفواحش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت