فهرس الكتاب

الصفحة 2048 من 27364

الخطبة الأولى

الحمد الذي يعطي من سأله، ولا يخيب من أمّله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ الذي كرمه ربه ونصره، وآزره حين أرسله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على دربه واقتفي عمله وسلم تسليماً، أما بعد.

فاتقوا الله أيها المسلمون:

حقيقة لا يماري فيها أحد، قررها الواحد الأحد، وعنوانها (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَد) .

إنها حقيقة مهمّة لا بد أن ندركها، فالحياة الدنيا لا بد فيها من التعب والجهد، يستوي في ذلك المؤمن والكافر، والكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، وسائر طبقات الناس، فكل منهم له نصيب من التعب والكَبَد.

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَد) : في مكابدة ومشاقة وجهد وكد، وكفاح وكدح: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ...) .

فمنذ اللحظة الأولى للإنسان يبدأ الجهد الأشق والكَبَد الأمر، وكل خطوة بعد ذلك كَبَد وكل حركة بعد ذلك كَبَد، وعند بروز الإنسان كَبَد، وعند انتصاب القامة كَبَد، وعند الخطو الثابت كَبَد، وعند التعلم كَبَد، وعند التفكّر كَبَد، وفي كل تجربة جديدة كَبَد؛ كتجربة الحبو والمشي، ثم تفترق الطرق وتتنوع المشاق؛ فهذا يكدح بعضلاته، وهذا يكدح بفكره وهذا يكدح بروحه، وهذا يكدح للقمة العيش، وخرقه الكساء، وهذا يكدح ليجعل الألف ألوفاً، وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله، وهذا يكدح لشهوة ونزوة، وهذا يكدح لعقيدة ودعوة، وهذا يكدح إلى النار، وذاك يكدح إلى الجنة، والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحاً إلى ربه فيلقاه، وهناك يكون الكَبَد الأكبر للأشقياء، وتكون الراحة الكبرى للسعداء.

"كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"، كل الناس يشتغلون ويتعبون - ولكن النتائج والمآلات تختلف، فغادٍ في طاعة الله، تعب في عبادة الله، صرف جهده وهمه في سبيل مرضاة الله، فهذا قد اعتق نفسه. وآخر غادٍ في معصية الله، موبق نفسه بمعصية الله، مهلكها بانتهاك الحرمات والمحرمات، فهذا قد أهلك نفسه وأوبقها.

حقيقة لا تغفل عنها: إذا كنت تتعب في طاعة الله فلا تظنن غيرك في المعصية مرتاحاً، لا يبذل جهداً ولا كداً، فكل ما تراه من تعب السعداء في طاعة ربهم فاعلم أن الأشقياء يتعبون أضعاف أضعافه في المعصية: (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) .

إن الكَبَد طبيعة هذه الحياة الدنيا، تختلف أشكاله وأسبابه، ولكنه هو الكَبَد في النهاية، فأخسر الخاسرين هو من يعاني كَبَد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكَبَد الأشق الأمر في الأخرى، وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كَبَد الحياة، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال رحمة الله.

كل في هذه الحياة يغدو ويتعب، وكل يسعى ويشقى، وكل يعمل على شاكلته: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) . والجزاء مختلف، فليس الخير كالشر، و ليس الهدى كالضلال، و ليس الصلاح كالفساد، وليس من أعطى واتقى كمن بخل واستغنى وليس من صدق وآمن كمن كذب وتولى، وإن لكلٍ طريقاً، ولكل مصيراً ولكل جزاء وفاقاً.

(إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) . مختلف في حقيقته، مختلف في بواعثه، مختلف في اتجاهه، مختلف في نتائجه، والناس في هذه الأرض تختلف طبائعهم و تختلف مشاربهم و تختلف تصوراتهم، و تختلف اهتماماتهم، هذه حقيقة.

والحقيقة الأخرى بأنه (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) . (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ) . وأن"من جعل الآخرة همه جمع الله له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة، و من كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله، و جعل فقره بين عينيه، و لم يأته من الدنيا إلا ما كتب له منها".

كلٌّ في هذه الحياة يتعب وينصب ويهتم ويغتم، وإنما الهموم على قدر الهمم، فئة في بيت الله تركع مع الراكعين وتذكر الله مع الذاكرين، وأخرى في الشوارع جلوساً في الزوايا، أو دوراناً في الأحياء، فكلا الفئتين تتعب ولكن شتان ما بينهما.

شباب في حلقات القرآن عاكفون على حفظه وتلاوته، حابسون أنفسهم في بيت الله، و آخرون وفي نفس الوقت يمضون أوقاتهم في دوران وجولان وتفحيط وتفريط، فأي الفريقين أهدى إن كنتم تعلمون. (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) .

فئة تستثمر جوّالاتها فهي ناصبة في توجيه رسائل هادفة، و نصائح مؤثرة وبث مقاطع نافعة، وفئة تقلب الصور الساقطة وترسل الرسائل الهابطة، فتبوء بإثمها وإثم من تأثر بها وضل بسببها: (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) .؟!

لسان شغل بذكر الله وتلاوة كتابه والدعوة إليه، وآخر يفري في أعراض المسلمين، و كلاهما متعب: (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت