فهرس الكتاب

الصفحة 7995 من 27364

أحمد فهمي

تحت عنوان: «تعديلات في الكتب المدرسية في العراق» نشرت صحيفة الحياة رسماً ساخراً يبدو فيه مدرس عراقي في فصله؛ ممسكاً بكتاب يقرأ منه لتلامذته متوتراً: «وهنا دَخَلَ الرئيس بوش وحرر ليلى من براثن الذئب!» ، ويظهر وراء النافذة جندي أمريكي متلصص، يرمز إلى فعل المراقبة.

هذا الرسم يعبّر عن الوضعية التي تريد الإدارة الأمريكية أن تصل إليها في الدول الإسلامية كافة، فالرئيس بوش لم يأت فقط لكي يحرر الشعب العراقي من براثن صدام؛ بل أيضاً ليحرر ليلى من براثن الذئب، وليلى هنا ترمز إلى كل شأن داخلي وخصوصية إسلامية، والذئب يرمز إلى المارقين المعارضين للحرية على الطريقة الأمريكية.

وتأتي سياستا التفكيك والتقسيم للدول الإسلامية في مقدمة الوسائل المعتمدة لتحقيق تلك الغاية، وهناك مدخلان لمتابعة تفاصيل هذه المؤامرة المزدوجة.

أولهما: عن طريق رصد ومتابعة الدراسات والبحوث والتقارير والتصريحات التي تتسرب ـ أو تُسرب ـ من المراكز البحثية، والمؤسسات السياسية، وجهات الضغط اليهودية، وهي طريقة حصرية لا شك، وتقدم لنا رؤية شاملة، ولكن يعيبها أنها تدخلنا في متاهة من الخيارات والسيناريوهات المحتملة؛ كونها تبدأ من نقطة مبكرة في العقل الأمريكي، ورغم احتياجنا إليها إلا أن هناك طريقة أخرى من شأنها موازنة هذه الرؤية الأكاديمية.

ثانيهما: عن طريق تتبع وتحليل الأداء السياسي والعسكري الأمريكي في العالم الإسلامي؛ على الأقل في الأعوام القليلة الماضية. والسياسة الأمريكية تتميز باتباعها لأسلوب «الأنماط الحاكمة» ؛ بمعنى التقيد بسلوك نمطي ـ سابق ـ في المواقف اللاحقة، أو بمعنى اعتبار كل قرار لها بمثابة بروفة للقرار التالي، فعلى سبيل المثال: احتلال «بنما» كان تجربة للإنزال البري في حرب الخليج، وحرب أفغانستان كانت بروفة لحرب العراق، على الأقل من منظور عسكري، وهكذا. وسوف نتبع في هذا المقال الطريقة الثانية.

? الاستراتيجية الأمريكية.. وسياستا التفكيك والتقسيم:

أولاً: تعريفات:

التقسيم السياسي للدول؛ مصطلح معروف ومتداول ومعناه ظاهر للأفهام. أما التفكيك؛ فنعني به في هذه الدراسة ما يأتي: سعي قوة خارجية إلى سلب قدرة نظام ما على نَظْم القوى السياسية الداخلية - عرقية أو طائفية أو سياسية - في عقد واحد ينبثق من عقيدته السياسية.

وبمعنى آخر؛ فإن التفكيك مرادف لانفراط العقد الداخلي، وتداعي مركزية النظام وسيطرته على القوى الداخلية. وينبغي الانتباه إلى أن التفكيك بهذه الوضعية لا يماثل الانهيار، بل هو مرحلة سابقة عليه، وفي حال نجحت القوة الخارجية في إحداثه؛ فإنها يمكن أن تحافظ على الاستقرار الداخلي بإعادة تركيب القوى الداخلية وفق نظم خاص بها.

ثانياً: الأهداف الأمريكية في العالم الإسلامي:

لماذا تريد الولايات المتحدة أن تفكك أو تقسم الدول الإسلامية؟ الإجابة عن ذلك تتضح من خلال خمسة أهداف، اثنان منها يتعلقان بالدولة الصهيونية، ويتحددان وفق مصالح دينية وسياسية مختلطة، وهذه الأهداف هي غاية ما يريده الأمريكيون، وليست أهدافاً مرحلية:

1 -تدشين القوة الأمريكية كإمبراطورية معاصرة تسيطر على دول العالم التي لا تعتنق الحضارة الغربية.

2 -ضمان أن تفقد الدول الإسلامية أي قدرة اقتصادية أو سياسية أو عسكرية أو ثقافية على مواجهة أو تهديد أمن «إسرائيل» وسلامتها، والفقد هنا ينبغي أن يكون شاملاً ودائماً.

3 -التهيئة لدولة «إسرائيل» الكبرى وإقامتها وفق الحدود والتعاليم التوارتية، أو قوة «إسرائيل» العظمى وفق الحدود الحالية، وفي النطاق العربي والإسلامي.

4 -يتعلق بالإرهاب؛ الوصول بالدول الإسلامية إلى حالة العجز الكامل عن تخريج حركات إسلامية «متطرفة وإرهابية» حسب المفهوم الأمريكي، عن طريق إصابة الشعوب بالعقم الديني والثقافي والسياسي؛ بما يقلل من أي احتمال لانبعاث إسلامي يهدد المصالح الأمريكية.

5 -ضمان استمرار الدول الإسلامية مصدراً مأموناً للمواد الأولية وفي مقدمتها البترول، وسوقاً استهلاكية مفتوحة للمنتوجات الأمريكية.

ثالثاً: أمريكا تجدد الرؤية الاستعمارية:

استعمار العالم الإسلامي في القرنين السابقين من قِبَل الأوروبيين؛ مرَّ بأربع مراحل متتابعة استغرقت منهم عشرات السنين، وهي: الاحتلال العسكري ـ التغيير الداخلي بما يتلائم مع ثقافة المحتل ومصالحه ـ تعيين نظام هش يدير البلد بإشراف مباشر من المحتل ـ الانسحاب وفسح المجال لنُظُم عميلة أو معادية للإسلام.

هذه المراحل هي نفسها التي طبقها الأمريكيون في أفغانستان والعراق، ويخططون لتطبيقها في دول أخرى، مع فروقات مهمة، وهي:

-الزمن الإجمالي للمراحل ـ ما عدا الانسحاب ـ لم يستغرق أكثر من أشهر معدودة، وهو ما فاق قدرة الكثيرين على الاستيعاب، وخاصة الذين لم يفقهوا بعد أساليب الاستعمار القديم.

-أن الانسحاب يُفترض به أن يكون اختيارياً وليس جبرياً بعد أن تكتمل خيوط المؤامرة، ويثبت النظام البديل جدارته، كما أن الاستقلال في هذه الحالة لن يكون تاماً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت