استعرض الكاتب جزاه الله خيراً في الحلقات الأربع الماضية أهمية منصب الفتيا، ومنهج السلف الصالح فيها، ودعاوى المميعين لأحكام الشريعة، المصادمين للنصوص المحكمة بحجة التيسير ولو كان على حساب الدليل، ثم قام بنقض أدلتهم النقلية والعقلية، ويستكمل نقضها في هذه الحلقة مجيباً عن الآثار التي استدلوا بها على منهجهم الفاسد.
الجندي المسلم
الحديث الثاني:"أصحابي كالنجوم...".
هذا الحديث ليس فيه إلا الثناء على الصحابة بما هم أهله، وأنهم منارات هدى يقتدى بهم كحال النجوم التي يهتدى بها في حوالك الظُلَمْ، وأن كل فرد من أفراد الأمة متى أراد قدوة صالحة في أمر من أمور البر، والخير، والإحسان، فسيجد في الصحابة رضي الله عنهم أسوة حسنة، وقدوة صالحة؛ فمن أراد قدوة في العبادة ففيهم العابدون، ومن أراد قدوة في الجهاد ففيهم المجاهدون، ومن أراد قدوة في العلم ففيهم العالمون،.... وهكذا.
وليس في الحديث أي إشارة لامن قريب ولا من بعيد إلى الحث على الانتقاء من أقوالهم، أو الاختيار من آرائهم لمجرد كونهم صحابة فقط، وإلا فهل يجوز لأحد اليوم أن يقول بقول عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما؛ فيمنع الناس من التمتع بالعمرة إلى الحج!! هذا ما لايجوز البتة.
وهذا المقدار من تشبيه الصحابة بالنجوم ثابت من حديث آخر صحيح، وهو أعمق دلالة من حديث:"أصحابي كالنجوم"عند التأمل.
فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أن النبي قال:"النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" (1) .
وذكر البيهقي رحمه الله أن هذا الحديث يؤدي بعض المعنى المراد من حديث:"أصحابي كالنجوم" (2) ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعقيباً عليه: صدق البيهقي، هو يؤدي صحة التشبيه للصحابة بالنجوم خاصة، أما في الاقتداء فلا يظهر في حديث أبي موسى الأشعري؛ نعم، يمكن أن يتلمح ذلك من معنى الاهتداء بالنجوم، وظاهر الحديث إنما هو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة، من طمس السنن، وظهور البدع، وفشو الفجور في أقطار الأرض، والله المستعان (3) .
وذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد بالحديث إن صح نقل مارواه الصحابة عن النبي ، فإنه لا مطعن في أحد منهم، فكلهم ثقات عدول، فعن أيهم نقل الناقل فقد اهتدى الناقل.
قال الإمام المزني رحمه الله: إن صح هذا الخبر فمعناه فيما نقلوا عنه، وشهدوا به عليه، فكلهم ثقة مؤتمن على ماجاء به، لايجوز عندي غير هذا، وأما ما قالوا فيه برأيهم فلو كانوا عند أنفسهم كذلك ما خطأ بعضهم بعضاً، ولا أنكر بعضهم على بعض، ولا رجع منهم أحد إلى قول صاحبه، فتدبر (4) .
وثم جواب ثالث ذكره ابن حزم رحمه الله، حيث عدد أوجه الفساد في الاستدلال بهذا الحديث، ثم قال:
والثالث: أن النبي لايقول الباطل، بل قوله الحق، وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد، وكذب ظاهر؛ لأنه من أراد جهة مطلع"الجدي"فأم جهة مطلع"السرطان"لم يهتد، بل ضل ضلالاً بعيداً، وأخطأ خطأً فاحشاً، وخسر خسراناً مبيناً، وليس كل النجوم يهتدى بها في كل طريق (5) .
ثانياً: الجواب عما استدلوا به من أقوال السلف:
وأما ما ذكروه من آثار السلف رحمهم الله، وأوردوه في هذا المقام، فعنه جوابان: جواب إجمالي، وآخر تفصيلي.
فأما الجواب الإجمالي فيقال فيه: إذا جمعت الآثار السلفية في صعيد واحد، وضممت النظير إلى نظيره، ثم قارنته بأفعالهم ومواقفهم المنقولة إلينا، ودققت التأمل في ذلك، تبين لك مرادهم على وجه التحقيق، وأنهم إنما قصدوا الأقوال التي يتجاذبها الأثر، ويسعفها النظر، والتي لا تخرج عن كونها إما راجحة أو مرجوحة، مما سبق بيانه ودخوله ضمن"الخلاف المعتبر".
والذي يؤكد ذلك ويدل عليه هو تعقب بعضهم لبعض، وتخطئة بعضهم بعضاً، وقيام المناظرات العلمية بينهم، وكتابة الردود، والأجوبة عنها، ثم يلي ذلك إعذارهم من خالفهم في الاجتهاد؛ لعلمهم بوجاهة ما تمسك به، واحتج له، ونافح عنه. ولو كان الذي صار إليه مما شذ فقهه، أو اندثر علمه، أو هُجر العمل به، أو صار إليه تشهياً، وانتقاء عشوائياً لامبرر له؛ لما عذروه وتحملوه، بل زجروه وهجروه، وحذروا الناس منه، ولعدوه من أهل البدع؛ لأن تلك هي طريقتهم، وذلك هو منهجهم.
ولقد كان من المشتهر في عصرهم، والمنتشر في أوساطهم أنه لا يصار في مسألة من المسائل إلى قول لأجل القائل به مالم تقم عليه بينة ظاهرة من الكتاب والسنة؛ لأن الحجة فيهما لاغير، ومن عارض نصوص الكتاب والسنة بأقوال الرجال مهما كان صاحب القول محترماً ينكرون عليه فعلته، ويردون عليه شطحته؛ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا: قال رسول الله، وقال فلان! (6) .
وأما الجواب التفصيلي فهو كالآتي: