فهرس الكتاب

الصفحة 6213 من 27364

الدكتور عبد القدوس أبو صالح* 22/5/1424

تعريف الالتزام في اللغة والاصطلاح:

"الالتزام"لفظة عربية فصيحة وقديمة ، فقد جاء في لسان العرب:"لزم الشيء يلزمه... والتزمه .. وألزمه إياه فالتزمه". وجاء في أساس البلاغة:"والتزم الأمر، ومن المجاز:التزمه: عانقه". وجاء في القاموس المحيط:"التزم الشيء لزمه من غير أن يفارقه، والتزم العمل والمال:أوجبه على نفسه".

أما تعريف"الالتزام"في الاصطلاح الحديث فهو لا ينصرف إذا أطلق إلى"الالتزام الأدبي"فقط ؛ لأن هناك أنواعاً من الالتزام العقدي أو الخلقي أو السياسي أو الحزبي أو العسكري إلى آخر ما هنالك من أنواع الالتزام التي يحددها الوصف.

كذلك لم يتفق الأدباء والنقاد على تعريف"الالتزام الأدبي"وذلك لاختلاف مذاهبهم ونزعاتهم ومواقفهم من هذا المصطلح. ومع ذلك فلا بأس أن نورد طرفاً من هذه التعريفات لتقريب هذا المصطلح من الأذهان.

فقد عرفه الروائي الأمريكي نورمان مالر بأنه"نوع من التعاقد أو الارتباط بشيء خارج الذات. (1) "

وعرفه الشاعر الاسكتلندي هيوماكد يارميد بأنه"الالتزام السياسي والجهاد في سبيله، وتسخير الأدب للدعوة له".

وقصره الدكتور محمد غنيمي هلال على الشعر - مجاريا سارتر في موقفه الأول - فقال (2) :"ويراد بالتزام الشاعر وجوب مشاركته بالفكرة والشعور والفن في القضايا الوطنية والإنسانية وفيما يعانون من آلام وما يبنون من آمال".وعرفه الدكتور محمد مصطفى هدارة بأنه يعني"ارتباط الأديب بقيم أو مبادئ أو قضايا محددة، تشرَّبها عقله ووجدانه، فكل تفكير أو تعبير صادر عنه، يكون في نطاق هذا الارتباط أو الالتزام" (3) .

وعرفه جبور عبد النور في المعجم الأدبي بقوله:"هو حزم الأمر على الوقوف بجانب قضية سياسية أو اجتماعية أو فنية، والانتقال من التأييد الداخلي إلى التعبير الخارجي عن هذا الموقف بكل ما ينتجه الأديب أو الفنان من آثار.وتكون هذه الآثار محصلاً لمعاناة صاحبها ولإحساسه العميق بواجب الكفاح والمشاركة الفعلية في تحقيق الغاية من الالتزام" (4) .

وعرفه الدكتور عبد الرحمن الباشا رحمه الله - وهو أحد رواد الأدب الإسلامي - بقوله (5) :"هو أن يلتزم الأديب في كل ما يصدر عنه من أدب فكراً محدداً من الأفكار أو عقيدة من العقائد ، أو نظرية من النظريات ، أو فلسفة من الفلسفات ، سواء أكان ما يلتزم به دينياً أم سياسياً أم اجتماعياً أم نحو ذلك بحيث يكون أدبه نابعاً مما اعتقده ممثلاً لما اعتنقه ، غير حائد عنه ، أو خارج عليه".

موقف الآداب العالمية من الالتزام:

نستطيع أن نقسم الآداب العالمية من حيث موقفها من الالتزام إلى مذاهب عقدية"إيديولوجية"كالواقعية الاشتراكية والوجودية ، وإلى مذاهب حرة"ليبرالية"يأتي في مقدمتها مذهب الفن للفن، ويضاف إليها مواقف فردية لبعض المشهورين من الأدباء والنقاد الذين ترددوا بين الالتزام ورفضه.

وما من شك في أن مصطلح"الالتزام"وهو في الأصل مصطلح حيادي، قد استغلته الشيوعية أسوأ استغلال في نظريتها الأدبية التي سميت بالواقعية الاشتراكية ، وذلك أن أقطاب الشيوعية أدركوا أثر الفنون بعامة ، والأدب بخاصة، في بناء المجتمعات وتكوين العقول، وصياغة الوجدان، ووعَوْا أثرها في دعم الأنظمة والمذاهب حتى قال ستالين:"الفنانون والأدباء هم مهندسو البشرية".. ومن ثم فقد حرم (النظام الشيوعي) على كل أديب أن ينتج أي لون من ألوان الأدب ، يعارض المذهب الذي اعتنقته الدولة، وارتضته للشعب .. وبذلك عُدَّ الأديب المعارض للعقيدة الماركسية خائناً لأمته وقضاياها، منحازاً إلى أعدائها" (6) ."

وأخذت الشيوعية تطبق مبدأ"الإلزام"القسري عن طريق سلطة الحزب أو سلطة الدولة، فهي تغدق على الأدباء الملتزمين أصناف الرتب والامتيازات بينما تضيق الخناق على غير الملتزمين تضييقاً ، يبدأ من تسليط النقاد الملتزمين عليهم لينتهي بنفي بعضهم إلى مجاهل سيبيريا أو إدخالهم إلى بعض المصحات العقلية.

وهكذا نرى أن الالتزام الأدبي أصبح في قبضة الدولة الشيوعية إلزاماً قسرياً سمي بالجبرية الشيوعية في الأدب، أو ديكتاتورية الواقعية الاشتراكية.

وما لبث مذهب"الإلزام"القسري أن تجاوز أسوار روسيا الشيوعية إلى دول الستار الحديدي، بل تجاوزها أيضاً إلى معتنقي الشيوعية والاشتراكية في دول العالم ، ومنها بعض الدول العربية التي كان نفر كبير من أدبائها وشعرائها يحتلون الساحة الأدبية، ويتفاخرون بأنهم من دعاة الواقعية الاشتراكية الملتزمين بها، وهم لا يعرفون اليوم كيف يوارون وجوههم بعد أن سقطت الشيوعية ،وهي الخلفية العقدية (الإيديولوجية) لمذهب الواقعية الاشتراكية.

كذلك اتخذت الفسلفة الوجودية، وعلى رأسها سارتر،من مصطلح الالتزام وسيلة لنشر مبادئها، بل لعلنا لا نبالغ حين نزعم أن الوجودية ذاعت وانتشرت عن طريق قصص سارتر ومسرحياته بأكثر مما استشرت عن طريق مؤلفاته الفلسفية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت