ابتداءً نقول بأن العقيدة هي كل لا يتجزأ. وما هذا التقسيم الدراسي إلا لتسهيل الفهم , والتميز بين أقسام العقيدة , وتبيان ترابط تلك الأقسام.
(فالعقيدة الجهادية القتالية) , هي فرع من كل هو ( العقيدة الإسلامية ) . والتي تشتمل بإيجاز على كل أركان الإسلام والإيمان . والتسليم بقواعد الشريعة والدين . والطاعة والانقياد لحكم الله ورسوله . وكل ما نشأ عن هذا الانقياد والتسليم . من الإيمان بالقلب, والإقرار باللسان , والعمل بالجوارح . و ما يتبع ذلك من التصرفات والأفكار والأحاسيس . فكل ذلك من العقيدة . وكذلك ما يترتب عليها من السعي في فعل المأمور. وترك المحظور برضى وتسليم .
ولما هممت أن أقدم للعقيدة الجهادية , بنبذة عن العقيدة بشمولها . رأيت أن اقتطف مما كتبه الشيخ عبد الله عزام. فإن من منهجي في الكتابة أني إذا توصلت لمفهوم , أو كتبت شيئا , ثم رأيت لمن سلف إيجازاً حسناً , أن استغني عنه به ) .
فقد عرَّف شيخنا وأستاذنا الجليل أبو محمد عبد الله عزام غفر الله له و رحمه الله تعالى رحمة واسعة . فقال في كتيبه الموجز القيم (العقيدة وأثرها في بناء الجيل) :
[العقيدة: هي الضابط الأمين الذي يحكم التصرفات , ويوجه السلوك , ويتوقف على مدى انضباطها وإحكامها كل ما يصدر عن النفس من كلمات أو حركات . بل حتى الخلجات التي تساور القلب , والمشاعر التي تعمل في جنبات النفس , والهواجس التي تمر في خيال. هذه كلها تتوقف على هذا الجهاز الحساس.
وباختصار فالعقيدة هي دماغ التصرفات, فإذا تعطل جزء منها أحدث فساداً كبيراً في التصرفات. وانفراجاً هائلاً عن سوي الصراط ....]
ثم قال:[ وعلى هذا فإن كل الإنحرافات التي نعانيها في سلوكنا , أفراداً وجماعات, راجعة بكليتها إلى الإنحراف في التصور العقدي . فالناس في هذه الأيام بحاجة إلى بناء العقيدة من جديد . وإلى تصحيح التصور الإعتقادي . فلا بد من إفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية. ولا بد من أن تستقر عظمة الله عز وجل في الأعماق . وأن يعمر النفوس حبه. ولا مناص من أن تحيا القلوب وهي تستشعر هيبته وجلاله. ويقوم هذا الدين على:
1-حقيقة الألوهية .
2-حقيقة العبودية .
3-الصلة بين العبد وربه .
وهذه أمور ثلاثة لا بد من استقرارها في النفوس:
-معرفة الله وقدره .
-معرفة العبد وحده .
-والصلة بين الخالق والمخلوق .
وعلى هذا فإنه من العبث تتبع فروع الشرع , وطلبها من شخص لا ترسخ في قلبه حقيقة هذا الدين. ولا تستقر في كيانه عظمة الله التي تهيمن على كل سكنه و نأمة وحركة في هذا الكون . والحق أن الناس غابت عنهم حقيقة هذا الدين العظيم . ومثل كثير منهم - حتى الذين يقيمون الشعائر التعبدية - كمثل الأعمى الذي أمسك بذنب الفيل , ويحسب أنه أمسك بين يديه جسم الفيل ...] .
(ثم قال) : [ وقد أصبح اليوم لدينا شيئا مألوفا , أن نرى شخصاً يداوم على العبادات وهو في نفس الوقت يزاول أعمالاً تخرجه من إطار هذا الدين . كالاستهزاء بسنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بفرضية وردت في محكم التنزيل. وهولا يعلم أنه بالاستهزاء إنما يهزأ من أوامر الله ويسخر منها. وهذا الذي اتفق أهل الذكر من هذه الأمة ؛ أنه يعني ردة المستهزئ . وخروجه من الإسلام . ومن هذا القبيل سب الدين , أو سب الله أو رسوله, فمن فعلها حكم عليه بالردة ...] .
(ثم قال) : [ أعود لأقرر الحقيقة الكبرى . أن الناس لا يعرفون حقيقة هذا الدين ويخلطون بين مناهج متعددة في حياتهم , قسم ضئيل من منهاج حياتهم من دين الله, وأما معظم المنهاج الذي يوجه حياتهم , فهو من صنع هواه أو هوى غيره من البشر. ?أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ? . (الفرقان /43-44) .
وعلى هذا فإني أرى أن التركيز على مسائل فرعية من الشريعة بالنسبة للناس أمر غير منطقي , بل محاولة عابثة لاستنبات البذور في الهواء . ولا يمكن أبداً بتجميع أغصان نضرة مع بعضها في الهواء . أن يتكون منها شجرة ذات جذور ضاربة في أعماق الأرض.
لا بد من سلوك المنهاج الرباني الذي رسمه الله لهذا الخلق. فلابد من زرع البذرة في التربة, ثم تعهدها حتى تستوي قائمة على أصولها. ثم تمتد بفروعها وأفنانها . وهكذا بالنسبة لبقية هذا الدين العظيم, لابد من اقتفاء السبيل الذي رسمه الله لهذا الكائن حتى يحمل هذا الدين . لا بد من بناء الأساس بغرس البذرة في أعماق الأرض . أي غرس العقيدة في أعماق القلب.