فهرس الكتاب
حسن شلبي *
وحول تحديد حقوق المواطنة التي حددها الإسلام، يجب علينا أن نبرز مبدأ الإسلام في المواطنة، حيث إنه ضَمن لنا نعمة المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات"."
وعرف د."عمارة""المواطنة"على أنها"الاعتراف بالآخر وقبوله، والمساواة معه في الحقوق والواجبات"، مشيرا إلى أن"المواطنة لم يعرفها العالم قبل مجيء الإسلام".
إن الإسلام في فلسفته، في هذه القضية ينطلق من مبدأ هام"هو التمييز بين حقوق الله وحقوق العباد، العقائد هي من حقوق الله، فلا ينبغي التمييز على أساسها."
لعل السؤال الأكثر تداولا في مجال الإصلاح، عربيا وإسلاميا يدور حول مفهوم المواطنة، باعتباره أحد أهم المفاهيم الأولية، الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة، فالمستشرق"برنارد لويس"يؤكد أن مفهوم المواطنة غريب تماما عن الإسلام، ويؤكد أن هذا الغياب، يمثل حقيقة تاريخية وثقافية مميزة للفكر الإسلامي.
على الرغم من مجانبة"لويس"للحقيقة في مجمل آرائه المتعلقة بالإسلام، فإننا نجد له أنصارا ومؤيدين في العالم العربي والإسلامي، إذ يتفق بعض الباحثين والمفكرين العرب، على غياب مفهوم المواطنة في الإسلام. فالمفكر المصري"سمير أمين"يؤكد أن"المساواة القانونية لم تكن سمة من سمات الأنظمة التقليدية العربية أو الشرقية"، ويميل إلى هذا الرأي المفكر الجزائري"محمد أركون"، الذي يؤكد على أن مفهوم الجماعة السياسية في الإسلام، يخلو من أية محاولة لتطوير"سياق للمواطنة كشرط ضروري ليس لنشوء حكم القانون فحسب، بل لظهور المجتمع المدني الذي يستطيع السيطرة على سلطات الدولة".
إن تحيز لويس اللاتاريخي أعماه عن رؤية مصطلحات إسلامية، تكافئ مفهوم المواطنة الذي نشأ وتطور في الغرب, فقد اقترن هذا المفهوم بالفصل بين دائرتين من دوائر الحياة, وهما:"الدائرة العامة"و"الدائرة الخاصة"، حيث يدخل في دائرة الحياة العامة كل المعايير والقوانين والمؤسسات، التي تتوسل بها الدولة في تنظيم علاقات الأفراد رعاية للصالح العام، ويدخل في دائرة الحياة الخاصة كل ما اختص به الأفراد من حريات وحقوق، لا تطاولها سلطة القانون ولا تخضع لنظام المجتمع.فالمواطنة تتحدد في سياق نظرية في العدل، تقوم على الفصل الحداثي بين الدائرتين، فمن مقتضيات هذه النظرية، أن يتمتع أفراد المجتمع الحداثي بالمساواة القانونية، من أجل النهوض بواجب المشاركة في تدبير الشأن العام، بغض النظر عن اختلافهم في الخيارات والانتماءات، التي تعتبر جزءا من الحياة الخاصة، فقد استقر لدى منظري الفكر السياسي عموما، والأمريكيين منهم خصوصا، أن هناك موقفين متباينين من النظرية الخاصة في العدل، التي تتأسس عليها المواطنة، يشدد الأول على التفريق بين المواطنة والأخلاق، وهو موقف"الليبراليين"وأشهر ممثليه فيلسوف الفكر السياسي الأمريكي"جون رولز"، ويرى هؤلاء أن المواطنة جملة من الحقوق الفردية تحددها نظرية العدل، وضعت خارج نطاق الأخلاق.
فالأفراد قاموا بتحديد مبادئ هذه النظرية السياسية، حفظا لمصالحهم بعد أن تجردوا من القيم والأغراض والأوضاع والأدوار، التي تخصهم، من أجل الحصول على حقوق متساوية مع غيرهم، على اعتبار أن الرؤية الأخلاقية شأن خاص كالعقيدة الدينية. أما نظرية العدل التي توجبها المواطنة فشأن عام، ولا يخفى أن هذه النظرية على الرغم من توسعها المادي، تجاهلت كليا اعتبار الأخلاق مؤثرة في الحياة العامة.
أما الموقف الثاني: فيقوم على أساس الجمع بين المواطنة وأخلاق الجماعة، ويمثل هذا الاتجاه فئة من المفكرين السياسيين المعاصرين، الذين يطلق عليهم"الجماعانيين"وأشهر ممثليهم الفلاسفة الأمريكيون: مثل"ميكائيل صاندل"و"شارلز تايلور"و"ألسدير ماك انتاير"و"ميكائيل ولتزر"، ويرى هؤلاء أن المواطنة لا توجد إلا مقترنة بموقع من المواقع داخل المجتمع.
فكل مواطن يرتبط بتاريخ وتراث مخصوصين، والقيم الثقافية هي جزء من هذه الثقافة المخصوصة، ولذلك يجب تأسيس الحقوق التي يتمتع بها هذا المواطن على القيم، التي تأخذ بها الجماعة، وبهذا تصبح الأخلاق هي الأساس الذي تقوم عليه الحياة العامة. وعلى الرغم من استيعاب هذه النظرية لدائرتي الحياة العامة والخاصة للمواطن، فإنها لم ترتق إلى رتبة يتحقق بها تحصيل أعلى القيم الروحية، واكتفت النظرية بالعادات الثابتة التي تتوارثها الجماعة.
المحاولات التجديدية، في الخطاب الإسلامي الجديد، لمفهوم المواطنة غفلت عن بناء المواطنة على أساس النظر الأخلاقي، وهو الأمر الذي أفقدها تماسكها وانسجامها مع المنظور الإسلامي، فقد اتجه المفكرون الإسلاميون المتأخرون، إلى التأكيد على اعتبار المجتمع الإسلامي هو قاعدة الولاء وأساس العمل السياسي.