فهرس الكتاب

الصفحة 15204 من 27364

بقلم الأستاذ بسطامي محمد سعيد

يعيش المسلمون اليوم حياة مضطربة متقلبة متناقضة ، تتشابك فيها ألوان متنافرة وأمواج متلاطمة ، وتطبق عليهم فيها ظلمات بعضها فوق بعض . وتبدو هذه الحياة للناظر إليها كثوب مرقع مبرقع تختلط فيه أشتات من الشرق والغرب وتجتمع فيه ألوان الطيف كلها من شتى الثقافات والعادات والتقاليد . فمن ناحية هناك موروثات عهود الانحطاط من جهل وتقليد وعصبية وفوضى ، ومن ناحية هناك أهواء العصر من الحاد وانحلال ومادية وهوس بسفاسف الأمور . ولعل كل ذلك أثر من آثار اضطراب المعايير والموازيين التي تحدد للناس غايات حياتهم وأولوياتها.

فتجد المرء مثلا يفني عمره في نيل مطعم وملبس شعاره قول الشاعر:

دع المكارم لاترحل لبغيتها فإنك أنت الطاعم الكاسى

وصار همّ بعض الناس العلو في الأرض وحب الرئاسة والشرف وكأنه لم يسمع بالتحذير الذي رواه الامام أحمدعن كعب بن مالك أن صلى الله عليه وسلم قال:"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم أفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه".

واضطراب الأولويات هذا ليس قاصرا على أهل الدنيا من الناس بل هو يعم كثيرا من أهل الدين علماء كانوا أو عامة . فكثيرا ما تختلط عند هؤلاء الجزئيات بالكليات والفروع بالأصول والفروض بالنوافل .

ومما لاشك فيه أن الدين كله قائم على مبدأ العدل والقسط والانصاف ، والعدل هو وضع كل شئ في موضعه دون زيادة ولا نقص ولا إفراط ولا تفريط . قال تعالى:"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَاب وَالْمِيزَان لِيَقُومَ النَّاس بِالْقِسْطِ" (الحديد: 25) . وقال:"وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ" (الرحمن: 7-9) . والميزان هو المعيار الذي يقوّم به الحق والعدل وتعرف به حقائق الأشياء و توزن به مقاديرها وقيمها فيوضع كل شئ موضعه فتقوم حياة الناس بالقسط في كل جانب من جوانبها . هذا الميزان هو مودع في فطر الناس وهو مبين في كتاب الله وعلى لسان رسوله .

فالقرآن والسنة مشحونان ببيان حقائق الأمور ومراتب الاشياء و منازلها ، وفقه هذا الميزان أمر هام لإقامة حياة متوازنة تعرف لكل شئ حقه فتوفيه له وتنزل كل شئ منزلته . وهذا النوع من الفقه هو الذي نقصده بفقه أولويات الإسلام .

ونعمد الآن إلى شئ من التفصيل في غاية الاختصار . ونبدأ بأول الأولويات وأولاها .

ثبات الأصل

الإيمان هو أصل الدين . وبمقدار رسوخ هذا الأصل وثبات جذوره ، تعلو شجرة الدين وتستقيم ويستغلظ ساقها وتورق فروعها وتكثر ثمراتها ، كما قال الله تعالى:"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" (إبراهيم:24-25) . والكلمة الطيبة في قول ابن عباس هي قول لا إله إلا الله ، وهكذا قال الضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وغير واحد .

وأساس الإيمان هو العلم بالله تعالى ، وهو علم لا يقوم على المعرفة الذهنية الباردة ، ولا يستمد من دراسات علم الكلام التي ظهرت كأثر للجدل القائم بين الفرق وللرد على انحرافات تاريخية في عهود سابقة . وليس هو ما يطلق عليه بعلم التوحيد .

ليس الإيمان هو هذا ولا ذاك ولكنه العلم الذي يستمد مباشرة من القرآن والسنة ، ويعتمد على براهينها وأدلتها ، ويستهدي بتعريفاتها وتوضيحاتها . ومنهج القرآن في بيان الإيمان منهج فريد يعرف مداخل النفوس ومفاتيحها ، ويطرق القلوب ويؤثر فيها ويحركها ، ويجعلها حية فاعلة . وذلك تصديق قول الله تعالى:"أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأنعام: 166) . يقول ابن كثير في هذه الآية:"هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتا أي في الضلالة هالكا حائرا فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له ووفقه لاتباع رسله"وجعلنا له نورا يمشي به في الناس"أي يهتدي كيف يسلك وكيف يتصرف به والنور هو القرآن كما رواه العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس وقال السدي: الإسلام والكل صحيح"كمن مثله في الظلمات"أي الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة"ليس بخارج منها"أي لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت