فهرس الكتاب

الصفحة 15037 من 27364

استعرض الكاتب وفقه الله تعالى في الحلقات الثلاث السابقة خطورة الفتيا وأهميتها، ثم بين أوجه اختلاف العلماء والموقف منها، وعرض لأدلة منهج المتساهلين في الفتيا بدعوى التيسير وحججهم النقلية والعقلية، وفي هذه المقالة ينقض هذه الحجج ويبين أنها لا تنهض.

الجندي المسلم

الموقف الصحيح من أخطاء العلماء وزلاتهم:

ليس مرادنا في هذا المقام بأخطاء العلماء تلك المتعلقة بحق الله سبحانه من ذنوب ومعاص، فإن العلماء وغيرهم من البشر في ذلك سواء، وباب التوبة مفتوح للجميع، وإنما مرادنا ههنا بأخطائهم العلمية.. تلك الأقوال والأفعال التي صدرت منهم على جهة الديانة لله تعالى، وسبيل التعبد له جل وعلا، وتلقفها الناس عنهم، ونسبوها إلى دين الله وشريعته؛ لحسن ظنهم بالعلماء.

"ولهذا تستعظم شرعاً زلة العالم، وتصير صغيرته كبيرة، من حيث كانت أقواله وأفعاله جارية في العادة على مجرى الاقتداء، فإذا زل حملت زلته عنه قولاً كانت أو فعلاً؛ لأنه موضوع مناراً يهتدى به، فإن علم كون زلته زلة؛ صغرت في أعين الناس وجسر عليها الناس تأسياً به، وتوهموا فيها رخصة علم بها ولم يعلموها هم تحسيناً للظن به، وإن جهل كونها زلة؛ فأحرى أن تحمل محمل المشروع، وذلك كله راجع عليه" (1) .

وبادئ ذي بدءٍ لابد أن نعرف أن هذه الأخطاء العلمية على قسمين:

القسم الأول:

ما يسميه العلماء ب (الأقوال الضعيفة) ؛ وذلك لضعف دليلها، أو لقوة المعارض، أو غير ذلك.

وليس المراد بها (الأقوال المرجوحة) التي تقابل (الراجحة) ؛ لأن الراجح والمرجوح فرسا رهان في تجاذب المسألة، والدليل محتمل لكليهما؛ لكنه في جانب أحد القولين أقوى، فهذا النوع لايدخل ضمن الأخطاء العلمية.

وإنما مرادنا ب (الأقوال الضعيفة) تلك البين ضعفها، والتي لا ساق لها تقف عليه، ولا سوق ينهض بها؛ بل تقوم على أدلة واهية لا تثبت أمام الحجج، ولا تصمد في مواطن الحجاج، ويتضافر الأئمة على إنكارها، وتتعاقب جماعاتهم على استنكارها.

فهذا النوع من"الأخطاء العلمية"إذا تلبس به المستفتي بسبب فتوى أحد المفتين الموثوق بعلمهم ودينهم، فإنه لايلزمه متى تبين له خطؤها أن ينقض ما مضى من عمله الذي بناه على أساس تلك الفتوى؛ لكنه فيما يستقبل من عمله يطرحها ولا يلتفت إليها.

ولا يسع الناس غير هذا القول، وإلا وقعوا في حرج عظيم؛ لأن المستفتي إذا سأل من هو أهل للفتيا ثم عمل بتلك الفتوى، فإن ما بناه من تصرفاته على أساس تلك الفتوى صحيح، ولا يلزمه نقضه، فإن الله عز وجل أمر الجاهل أن يسأل أهل العلم كما في قوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) {الأنبياء: 7} وهذا المستفتي قد امتثل أمر الشارع فسأل العلماء فيكون قد أتى بما عليه، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ومطالبة الناس بشيء لم يطلبه الشارع منهم أمر زائد عن الحد، وقد قال سبحانه: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها286 {البقرة: 286} .

وخذ مثلاً على ذلك: مسألة إخراج زكاة الفطر نقداً، فإن المرء إذا أخرجها نقداً بناء على فتوى من يوثق بعلمه ودينه، وظل يخرجها كذلك سنين متطاولة، ثم تبين له عدم جواز إخراجها نقداً بالدليل والبرهان؛ فإنه لايلزمه حينئذٍ أن يعتبر ما مضى من عمله فاسداً، ولا يؤمر بقضاء السنين الفائتة، وإنما يصحح عمله فيما يستقبل من السنين.

والقسم الثاني:

الأقوال المنكرة، والآراء الباطلة، التي تخالف صريح الكتاب والسنة، وتصادم إجماع الأئمة، وتنقض المسلّمات الشرعية، وتتعارض مع مقاصد الشريعة.

فهذا النوع من"الأخطاء العلمية"مردود على صاحبه (2) ، ولا يشك أحد في بطلان العمل به، ولايجوز للمستفتي ولا لغيره الإقدام عليه مطلقاً، وعليه نقض ما مضى من العمل المبني على تلك الفتوى؛ لأن ما بني على باطل فهو باطل، وكيف يقوم الفرع والأصل زائل!!

وبالجملة فإن العبد المسلم إذا تبين له خطأ العالم في مسألة ما فإنه يلزمه أن يتخذ اجراءين مهمين من هذه القضية:

الإجراء الأول: مع العالم نفسه.

والإجراء الثاني: مع خطئه وزلته.

الإجراء الأول:

فأما العالم نفسه فإننا نقف معه ثلاث وقفات شرعيات:

الوقفة الأولى: أن نلتمس له العذر فيما أخطأ فيه، وهو أحق من غيره بهذا الموقف؛ لأن العبد إذا كان مأموراً بالتماس الأعذار لإخوانه المؤمنين، فالعلماء من باب أولى.

قال الذهبي رحمه الله:"فليعذر من تأول بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه" (3) .

وقد صنف جماعة من الأئمة كتباً في أسباب اختلاف العلماء، وهي في الحقيقة أعذار لهم يتبين منها أنهم أرادوا الحق وسلكوا جادته، ورغبوا في إصابته؛ لكنهم أخطأوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت