فهرس الكتاب

الصفحة 26325 من 27364

هذا هو رأي ابن خلدون في مقدمته عن العرب، والمقصود بالملك السياسة الرشيدة التي يسوس فيها القادة ذوو العصبية القوية رعيتهم على أساس الشورى الصادقة، والعدل الشامل، والبعد عن الظلم والاستبداد، ومراعاة تحقيق مصالح الأمة، ودفع المفاسد عنها، والسعي في جمع كلمتها على الحق، واتخاذ الأسباب التي تقيها التنازع المؤدي إلى الفشل...

والمقصود أيضا إسناد الأمور إلى من هو أهل لها في شئون الدولة كلها، من أعلى موظف فيها إلى أصغر موظف، يضع في كل وظيفة من تتوفر فيه مقوماتها من علم وخبرة ومقدرة على تنفيذ مهماته فيها، بأمانة ومساواة بين الناس، وورع عن هضمهم حقوقهم..

والمقصود كذلك بسط الأمن في الدولة:

الأمن الداخلي، بغرس الإيمان الصادق في نفوس أجيال الأمة، والعبادة الخالصة لله، والإحاطة بكل ما يحتاجه المسلمون من العلوم الإنسانية والكونية، عن طريق دور العلم من المدارس و المعاهد والجامعات، وكل ما بردع القوي عن ظلم الضعيف، والأخذ على أيدي المجرمين من السراق والقتلة وقطاع الطرق والمرتشين، ليأمن الناس على ضرورات حياتهم، وهي دينهم ونفوسهم ونسلهم وعقولهم وأموالهم، وما يكملها في ذلك، بإقامة الحدود والتعازير الجامعة بين عقوبات المعتدين وزجر من يفكر في الاعتداء من مرضى النفوس البطالين...

وبذلك تزدهر البلاد في اقتصادها وتجارتها وزراعتها وسائر ما يحقق أمنها واستقرارها، ويطمئن أهلها على ضمان حقوقهم والعدل في أداء واجباتهم...

كما يُقصد كذلك سمع وطاعة الرعية لولاة أمرها، فيما لا معصية فيه لربها، واستجابتها لما يفرض عليها من حقوق يؤديها بعضهم لبعض، سواء في ذلك ما تعلق بالأمة ممثلة في الدولة، أو الأسرة أو الأفراد... لا ينازعون في الأمر أهله، ولا ينزعون يدا من طاعة، ولا يخرجون على من ولاه الله أمرهم، لما يترتب على ذلك من فوت مصالح ونزول مفاسد، وانتشار فوضى واضطراب وإهلاك للحرث والنسل...

والأمن الخارجي، بحماية صف الأمة من فساد المفسدين، من جواسيس الأعداء و المنافقين، وإعداد العدة لرفع راية الجهاد في سبيل الله، لإرهاب الطغاة المعتدين، وطرد من احتل أي جزء من البلاد من الغاصبين.

وأساس تلك العدة وعمادها، إيجاد الرجال الشجعان الذين يتحلون بالعقيدة والإيمان، والعبادة الصادقة للديان، وإيجاد كل أنواع السلاح الفعال، وتدريب جند الله من حماة الأمة على تلك الأنواع، وعلى كل أساليب القتال، التي تناسب العصر والحال، وحشد الأمة كلها لنصرة أبنائها الأبطال، كل فيما يقدر عليه من خدمة أو مال، ليتم النصر على الأعداء، ويطمئن الشعب ويَثبُت البناء...

ذلك هو الملك الذي عناه ابن خلدون، كما يظهر ذلك من فصول مقدمته الكثيرة في هذا الباب، كما يظهر كذلك من كتب السياسة الشرعية التي كتبها علماؤنا العظام، مثل كتاب"الأحكام السلطانية"للماوردي، وكتاب"الأحكام السلطانية"لأبي يعلى، وكتاب"الغياثي"لإمام الحرمين الجويني، وكتاب"السياسة الشرعية"لابن تيمية، وما بينه علماء التفسير عند الآيات المناسبة، وشراح الأحاديث عند الأحاديث المناسبة كذلك...

ومما لاشك فيه أن ولاة أمر المسلمين من العرب، قد حققوا تلك الأمور لأمتهم، عندما تمسكوا بدينهم، وكان ذلك بارزا في العصور المفضلة أكثر من غيرها مما تلاها من العصور، وكلما قوي تمسك ولاة الأمر من العرب بالإسلام وتطبيق شريعته في شعوبهم، ازداد تحقق تلك المقاصد والمصالح، وخف وجود المفاسد والشرور...

وعندما يضعف تمسكهم بالإسلام وتطبيق شريعته، يضعف تحقق تلك المصالح، ويكثر نزول المفاسد والمصائب بأمتهم بمقدار ما يصيبهم من ضعف في تمسكهم بالإسلام...

إلى أن يستبدل الله بهم غيرهم، منهم أو من غيرهم، من الشعوب الأخرى التي تتمسك بالإسلام، وكان آخر أمة قادت الشعوب الإسلامية الدولة العثمانية، التي أفل نجمها في أوائل القرن العشرين، لسببين:

السبب الأول: بعد حكامها عن الإسلام وتصدع صففها.

السبب الثاني: تعاون اليهود والصليبيين ومن خدعوا بهم من الطامعين في الزعامات من العرب، كما هو حال أمثالهم اليوم مع الأمريكان واليهود كذلك...

والذي يظهر من كلام ابن خلدون رحمه الله، أن العرب إذا لم تكن سياستهم مصبوغة بالصبغة الدينية، يكونون أبعد من غيرهم عن إقامة الملك الرشيد والحكم السديد، وقد أبدى في هذا الأمر وأعاد.

ويكفي أن ننقل عنه أحد فصول هذا الموضوع من مقدمته، فقد قال رحمه:

"الفصل السابع والعشرون"

في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة

والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم، أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم.

فإذا كان الدين بالنبوءة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خُلُق الكبر والمنافسة منهم، فَسَهُل انقيادهم واجتماعهم وذلك بما يشملهم من الدين الْمُذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التحاسد والتنافس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت