طه عبد الرحمن 17/3/1426
لا تزال قضية الحوار الأورو متوسطي، تطرح نفسها على الساحة العربية ـ الأوروبية، فيما أخذت هذه القضية أخيراً منحاً جديداً، عندما طالب الاتحاد الأوربي بالحوار مع القوى الإسلامية المعتدلة في العالم العربي .
في هذا السياق يأتي مؤتمر مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة حول"أوربا وإدارة حوار الثقافات الأورو متوسطية"، والذي شارك فيه باحثون مصريون وعرب؛ إضافة إلى باحث من كوسوفا وقد طالب المؤتمرون بإحياء المنهج العلمي في الحوار مع الغرب، وإعادة النظر في الخطاب الموجه إلى الغرب على المستويين الإسلامي والعربي، وترشيح القوى الإسلامية المعتدلة للدخول في هذا الحوار، واندماج التيارات الإسلامية في أوربا داخل الحياة الجديدة في بلاد الهجرة ، والتفاعل في الحوار مع الغرب، وتحديداً في أوربا التي تعد الأقرب جغرافيا للعالم العربي . وفي محاضرته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر أكد المفكر الإسلامي د. احمد كمال أبو المجد أن العقل العربي المسلم لا بد له أن يستخدم هبة العقل التي منحها الله سبحانه وتعالى، وأن يدرك المسلمون والعرب أنهم لا يعيشون في جزر منعزلة، وعلينا ـ كما يقول ـ أن نسلم في تواضع أن الله تعالى وزع الحكمة بين عباده وبثها بين شعوب الدنيا، وأن الخلق كلهم عباد الله، مؤكدا على ضرورة إصلاح البيت الإسلامي من الداخل ، متسلحين في ذلك بالعلم ومتفانين في العمل بحيازة الثروة وإحراز القوة، وإدراك أن التعامل مع الآخرين لا يمكن أن يكون بالعجز أو الضعف، ولكن من خلال المال والقوة والحديد، وأن الصحوة الحقيقية ينبغي أن لا تكون شعارات أو أماني، وإنما من خلال جهد منظم ومحكم . باستخدام أسلوب الحكمة والمرونة في التعامل مع الآخرين .
ويوضح د. أبو المجد أن للدين دورا متعاظما في توفير البنية الأخلاقية للنظام العالمي، والتأكيد للآخرين على أن الكتاب والسنة ليسا من أمور الماضي، وأنهما منهجاً قائماً إلى يوم القيامة ، وأن الحديث عن غير ذلك يعدهروبا وعجزا عن مواجهة الحاضر، أو تخوفاً مما لا ينبغي التخوف منه، أو تأثماً مما لا ينبغي التأثم منه ، خاصة وأن المتأثمين الغارقين في الإحساس بالخطأ والخطيئة لا يمكن الاعتماد عليهم لبناء حضارة إنسانية قوية مرتبطة بقيم ومبادئ الإسلام .
مسلمو البلقان
وفي حديثه عن مدى تفاعل شعب البلقان مع أوربا ، تعرض مدير"بيت الحكمة"بالأردن، الدكتور محمد الأرناؤوط لهذه القضية. مشيراً إلى حجم ظاهرة التطهير العرقي بحق المسلمين التي شهدها البلقان في القرن الأخير، وهي الظاهرة التي لم تعرف لها أوربا مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية .
وحذر الأرناؤوط من خطورة ظهور إيديولوجية جديدة بين مسلمي البلقان ورغبتهم في ألا يكونوا جزءاً من العالم الإسلامي أو الشرق تحديداً، بغرض الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن أوربا تنظر إليهم على أنهم غرباء عنها نظرا لانتمائهم الإسلامي.
كما حذر من خطورة تبني بعض المسلمين في البلقان لمفاهيم جديدة كالعلمانية وتأسيس هرمية جديدة للتقرب من أوربا، بغية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في العام 2010 من جانبه تعرض الدكتور كمال مورينا ـ الأستاذ في كلية الدراسات الإسلامية بكوسوفا ـ للصعوبات التي تواجه مسلمي البلقان في ظل وجود محاولات من بعض الرموز الإسلامية في كوسوفا للتنصل من إسلامهم باعتبار ذلك دليلا على رغبتهم في التقرب من أوربا . وانتقد غياب المساعدات العربية والإسلامية لشعب كوسوفا في الوقت الذي تقوم فيه المنظمات الغربية، وخاصة الأمريكية بالترويج لحملات التبشير والتنصير بين صفوف المسلمين؛ فضلاً عن وجود هاجس لدى كثير من المسلمين في كوسوفا من وصفهم بالإسلاميين، خوفا من إلصاق تهمة الإرهاب بهم !
عوائق الحوار
وفيما أثار بعض المشاركين في المؤتمر وجود قطيعة في الحوار بين أوربا والدول المتوسطية . رفض الدكتور سيف عبد الفتاح ـ المنسق التنفيذي لبرنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ إحداث مثل هذه القطيعة . معتبراً أن مشكلة الحوار تكمن في أن أوربا لا تزال بعض دوائرها تعتقد أن المسلمين الموجودين هناك هم امتداد للحكم العثماني، مما يشير إلى خطورة تأثير مثل هذا الهاجس العثماني على أوربا .
ودعا د. عبد الفتاح إلى تقديم الدعم لمسلمي البلقان، حتى لا تتلقفهم المنظمات التنصيرية، مشدداً على أهمية البحث في أسباب هجرة الكثير منهم إلى الغرب، دون الهجرة إلى بلاد المسلمين أو الشرق عند ظهور حالات التطهير العرقي .