فهرس الكتاب

الصفحة 9495 من 27364

الدكتور يوسف القرضاوى

التبشير يجاور الاستعمار:

الحمد لله نستهديه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، خصنا بخير كتاب أنزل، ونبي أرسل، وأشهد أن سيدنا وإمامنا عبد الله ورسوله، أما بعد:

فيا أيها الأخوة المسلمون قد شكا إلي كثير من الأخوة والأخوات النشاط التبشيري الملحوظ في الآونة الأخيرة في منطقة الخليج، وأرسلوا إلي صوراً من الرسائل التي تأتيهم عبر البريد تطلب إليهم أن يبحثوا عن خلاصهم ونجاتهم في الإيمان بالرب يسوع، الذي يغفر لهم كل خطاياهم بمجرد أن يؤمنوا به، وأن في الكتاب المقدس شفاء لكل داءً، وحلاً لكل مشكلة، وهذا عجيب حقاً أن يمارس هؤلاء نشاطهم علانية وجهرة في بلاد إسلامية عريقة، هي مهد الإسلام، وهي دار الإسلام.

كنا نود من هؤلاء أن يذهبوا بنشاطهم إلى بلاد الوثنية في آسيا وإفريقيا فهناك وثنيات كبرى، فيها آلاف الملايين من الناس، وهناك بلاد عاشت في إطار الإلحاد سنيناً عدداً، عقوداً من السنين، كنا نريد من هؤلاء المبشرين والمنصّرين أن يذهبوا إلى تلك الديار ليهدوهم إلى نصرانيتهم، أما أن يذهبوا إلى بلاد المسلمين فهذا هو العجب حقاً، وهذا ليس بجديد، الحملة التبشيرية بدأت مع الاستعمار، منذ دخل الاستعمار بلاد المسلمين وبلاد غيرهم في آسيا وأفريقيا، كان يجاور الاستعمار جنباً إلى جنب التبشير، أوروبا تخلصت من الدين في ديارها، كان الدين - دينها دين الكنيسة، ورجال الكنيسة - كان عقبة في سبيل النهوض، كان الدين ضد الفكر، وضد العلم، وضد الاختراع، وضد التحرر، كان مع الملوك ضد الشعوب، وكان مع الإقطاعيين ضد الفلاحين، وكان مع الظلم ضد العدل، وكان مع الظلام ضد النور، وكان مع الجمود ضد التحرر، ولذلك ثار الناس على الدين هناك، وقالوا كلمتهم الشهيرة: اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس، تحرروا من دينهم دين الكنيسة، الدين الذي وقف ضد هذه المعاني الهادية، والمعاني الطيبة، وقفوا ضد هذا الدين وثاروا عليه، ومع هذا صحبوا الدين في رحلاتهم الاستعمارية، الدين الذي حاربوه في الداخل اصطحبوه معهم للخارج، اصطحبوا معهم المبشرين والأناجيل - كما قال أحد الأفارقة:"جاء الأوروبيون فأخذوا أرضنا وثروتنا، وأعطونا بدلها الإنجيل".

كان التبشير في خدمة الاستعمار، منذ بدأ الاستعمار والتبشير يسير في ركابه، ويقدم له الخدمات، وهذا ما لاحظناه من قديم، ومنذ بداية هذا القرن ذهب إلى مصر حملات هائلة للتبشير، حاولوا أن يغروا مصر بلد الأزهر والعلماء، ولكنهم لم يجدوا أذناً صاغية، ولم يجدوا من يستجيب لهم، حتى القرى التي تشكوا من سوء الحال، ومن ضيق العيش كان الرجل يذهب إليهم فيحكي عن عجائب المسيح ومعجزات المسيح والعذراء، والناس يسمعون وفي النهاية يقول أحد الحاضرين: وحدوه!! فيقول الناس: لا إله إلا الله، صلوا على النبي، اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، فيقولون: لم نستفد شيئاً.

سيظل الإسلام صخرة عاتية:

لم يجدوا من يستجيب لهم، وكتب كبيرهم في ذلك تقريراً مطولاً قال: في نهايته سيظل الإسلام صخرة عاتية في مصر تتحطم عليها محاولات التبشير المسيحي مادام للإسلام هذه الدعائم الأربع: القرآن الكريم، والأزهر، واجتماع الجمعة الأسبوعي، والحج السنوي.

مادام القرآن يُقرأ ويتلى ويحفظ ويسمع فهو يوقظ ويحرك، ومادام الأزهر يخرّج علماء يعلّمون ويعظون ويذكّرون الناس فسيظل الناس مشدودين إلى الدين، ومادام اجتماع الجمعة الأسبوعي يربط الناس بالمسجد، ويربط الناس بالدين، وبالعلم وبالموعظة، وبذكر الله فأيضاً سيظل الناس على صله بالدين، وهذا المؤتمر في الحج السنوي، يذهب الإنسان عاصياً ويعود تائباً، يذهب بعيداً عن الله ويعود قريباً من الله، هذه الدعائم الأربع، وهذه الدعائم موجودة في كل بلد، فليس المقصود بالأزهر هو البناء، المقصود العلماء، المؤسسة التي تخرج علماء الدين ودعاته، في كل بلد فيها القرآن والعلماء واجتماع الجمعة وفيها الحج، فلذلك لم يستطع التبشير أن ينجح، وصدر في ذلك كتاب مشهور اسمه الغارة على العالم الإسلامي، وقال القائل في ذلك الكتاب: أنه مادام هناك القرآن، ومادامت هناك الكعبة؛ فلن نستطيع أن نغزو المسلمين"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت