تاريخ الاستشارة: …2006-05-21 11:23:26
الموضوع: …استشارات ثقافية وفكرية
السائل: …faysal
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم.
لماذا أصبح شباب العالم الإسلامي لا يهتم بدينه؟ ولماذا أصبح العرب يقلّدون الغرب تقليداً أعمى؟
والسلام عليكم ورحمة الله بركاته
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ faysal حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،
فبداية، فإن هذا السؤال، سؤال قيم، وسؤال جدير بالطرح، وأول دلالة لهذا السؤال، هو أنك بحمد الله شاب مؤمن تهتم بدينك، وتحرص على نفع أمتك، فالحمد لله، الذي وفقك لهذا الخير، وأنعم عليك بهذا الهدى.
وأما عن إجابة سؤالك، فإن الجواب لا بد أن يكون موجوداً في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فإن هذا الدين الكريم، فيه كل جواب لكل هذه الأسئلة، وفيه الهدى لكل ضال، وفيه الرشاد، لكل غاو منحرف، كما قال تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} وقد استفاض صلى الله عليه وسلم في بيان كل نافع لأمته، وبيان كل شر لها، حتى روى عن أبي ذر - رضي الله عنه، أنه قال: تركنا رسول ا صلى الله عليه وسلم ، وما طائر يقلب جناحيه في الهواء، إلا وهو يذكر لنا منه علماً، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما بقي شيء يقرب من الجنة، ويباعد من النار إلا وقد بين لكم ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير.
والمقصود أن جواب هذا السؤال موجود نصاً في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد بين صلوات الله وسلامهم عليه بياناً واضحاً لا غموض فيه ولا اشتباه، مع بيان أن المسلمين على كثرتهم، سوف يكونون ضعافاً لا يلتفت إليهم ويؤبه بهم، بل هم مستضعفون، ثم بين أن السبب في كل ذلك هو وجود الوهن ( الضعف) في الدين، ثم فسر هذا الوهن بأنه ( حب الدنيا والركون إليها) ، وهذا هو المعنى الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يوشك الأمم أن تداعى، عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال:( بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء، كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهانة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن) ، فقال قائل يا رسول الله: وما الوهن؟ قال: ( حب الدنيا وكراهية الموت ) .
والمقصود أنه لما ضعف كثير من المسلمين في دينهم، وقدموا حب الدنيا على حب الآخرة وثوابها، تسلط الكافرون على المسلمين تسلطاً، زادوهم به ضعفاً إلى ضعفهم، حتى تشوهت معالم الدين في نفوس المسلمين، وانتشرت فيهم المذاهب المصادمة والمعاندة لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، كالشيوعية والعلمانية ( اللادينية) ، فأدى ذلك إلى بعد كثير من المسلمين عن أصل دينهم، حتى صاروا لا يعرفون من حقائقه شيئاً يذكر، مضموماً إلى ذلك شيوع الفساد، والمجاهرة بالحرام، حتى صار المسلم غريباً في دينه وفي التزامه، كما ثبت عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء ) أخرجه مسلم في صحيحه.
والمقصود أن هذه الأسباب مجتمعة هي السبب في بعد كثير من المسلمين عن دينهم، ومتى حصل هذا البعد بهذه الأسباب، كان هنالك الإعجاب بما عليه هؤلاء دون تمييز، لما يصح أن يستفاد منه من جهتهم، وما لا يصح أخذه منهم، والسبب في ذلك أن المغلوب يميل لتقليد الغالب، فصار كثير من المسلمين يعظمون حال هؤلاء، ويتشبهون بهم، ويقلدونهم تقليداً أعمى في كل شيء، كما ثبت عن صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لتتبعن سنن( طرق) من قبلكم شبراً بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه)، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟! قال: ( فمن؟ ) متفق على صحته من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وإيضاح هذا المقام، أن كثيراً من المسلمين، عندما قهروا من جهة الأمم الكافرة، واستولت هذه عليهم، توهم كثير من المسلمين أنهم إنما قهروهم وغلبوهم، نتيجة أن هؤلاء هم أصحاب الكمال، وأصحاب العقل والفضل، فصاروا بهذا مقلدين لهم في شكل شيء عندهم، دون بصيرة أو فهم، بل الحال إنما هو كحال الطفل الذي يقلد أباه؛ لظنه كماله وتمام صفاته، فهذا كهذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقد عقد ابن خلدون -رحمة الله - فصلاً نافعاً في هذا الباب، قال فيه نحواً من هذا الكلام، فراجعه في الجزء الأول ص 73 من مقدمته.
غير أننا نود لفت نظرك، إلى أن هذا الحال، لا يشمل جميع شباب المسلمين ولا يعمهم، بل أن في المسلمين من هم بحمد الله متمسكون بدينهم على بصيرة ووعي ونور من الله تعالى، فالخير في أمة صلى الله عليه وسلم لا يعدم حتى قيام الساعة، ونسأل الله تعالى لكم التوفيق والهدى والسداد.
وبالله التوفيق والسداد.
المجيب: …أ/ أحمد مجيد الهنداوي