فهرس الكتاب

الصفحة 24345 من 27364

المنطلق الثاني: التسليم بأن الحكمة ضالة المؤمن

الحكمة والتصالح مع منجزات الغرب

إن دراسة التأثيرات الحضارية تثير في النفس حساسية خاصة عند الأخذ أو العطاء، فشعور الدونية عند الأخذ من الآخر (التأثر) ، ومعنى الاستعلاء والتكبر يهيج مع العطاء بالآخر (التأثير) ، وهذا النوع البغيض من المشاعر تأباه طبيعة الفكر الإسلامي.

-فمن ناحية يرى المسلم أن الحكمة ضالته إن وجدها فهو أحق الناس بها، والإسلام يحرر العقل ويحث على النظر في الكون وتتبع سنن الحياة، ويرحب بالصالح النافع من كل شئ ومن كل أحد، دون حرج في الأخذ والعطاء.

ولقد جاء توجيه الله تعالى بسؤال من يظن أنه ذو علم في مجال ما لمعرفة ما لديه، وإن خالفنا في الدين، يقول تعالى:"فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين" (سورة يونس، الآية: 94) . ومثل ذلك قوله تعالى:"واسأل من أرسلنا قبلك من رسولنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون" (سورة الزخرف، الآية: 45) ، وقوله تعالى:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (سورة النحل، الآية: 43) .

وشواهد الانتفاع للصالح النافع من النتاج الفكري لأمم أخرى يتضح في مثل موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق، حيث نقل سلمان فكرة الخندقة وهي خطة عسكرية فارسية كان له- بعد الله وفضله - أثر كبير في النصر للمسلمين، وفكرة تدوين الدواوين على عهد عمر - مثلاً - منقولة، ولا غرابة في هذا.

كما أنني ألحظ أن الفقهاء المسلمين منذ وقت مبكر ناقشوا قضية الأخذ بشرع من قبلنا فيما لا حكم لنا فيه وما لم ينسخه ناسخ، واعتمدوا الأخذ به بضوابط، فلا حرج إن كان فيه نفع أن ننتفع به.

-ومن ناحية ثانية يرى المسلم أن مهمته في الحياة نشر الخير في العالمين، ونقل النفع إلى الناس أجمعين، وحمل رسالة النبيين بالهداية والنور إلى كل الخليقة، من غير استعلاء ولا استكبار عند هذا العطاء.

إلا أنه وجب أن نثبت ملاحظات ثلاث مهمة:

-الملاحظة الأولى: أن اختيارات الإنسان ممن يحتك بهم دليل على عقله رجاحة أو وضاعة، وشاهد على قوة بنائه الفكري أو اهترائه، ومن ثم فقد يختار الإنسان ممن حوله ما يكون داعمًا لقوته ومساعدًا له على التقدم والتطور نحو الخير والحق، وكذا الحضارات - كالكائن الحي - اختياراتها دليل على ما فيها من عوامل القوة أو الضعف، ومؤشر للقيم والمفاهيم المؤسسة لهذه الحضارة.

-الملاحظة الثانية:"أن الإنسان قد يستطيع أن يمتلئ من علوم الآخرين، ويبقى مع ذلك غير أهل لأن يفكر بواسطة شخص، أو يوجد شيئا ما، فقد يستطيع أن يكون تلميذًا من غير أن يقدر على أن يكون أستاذًا" (11) ، ومن ثم فالأخذ عن الآخر وتطوير ذلك المأخوذ وتفعليه والبناء عليه عبقرية في ذلك، وهو اعتلاء لمنصب الأستاذية بعد درجة التلمذة، وكذا الحضارات العملاقة العظيمة لا تقف عند حضور الأخذ عن الآخر وإن كان صالحًا، وإنما تأخذ لتهضم ما أخذته، وتطبعه بطابعها وتحوله إلى جزء من كيانها وتطوره وتزيده بهاءًا ونضجًا، وهذا الذي فعلته الحضارة الإسلامية في كثير من مجالات الفكر والإبداع.

-الملاحظة الثالثة: أن التسامح في أخذ النافع ونشر الصالح ليس معناه - في منطق التأثيرات الحضارية - التفريط في إثبات هوية الحق والدفاع عن مصدريته؛ ولذا فإن سعة سماحة الإسلام وحياده وموضوعيته هي التي جعلت المسلمين يعترفون بالفضل لأهله، ويدركون في نفس الوقت ما لهم من مواقع أقدام في كل شيء، فيحتفظون لحضارتهم بما لها من أياد على الحضارات الأخرى، من غير استعلاء ولا تكبر ولا فساد في الأرض، مصداقاً لقوله تعالى:"الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور" (سورة الحج، الآية: 41) .

11 -راجع معروف الدواليبي: المدخل إلى علم أصول الفقه، 101 ، طبعة ثانية، 1374هـ = 1955م ، مطبعة الجامعة السورية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت