فهرس الكتاب

الصفحة 5383 من 27364

كمال السعيد حبيب 15/9/1424

زرت تركيا وذلك للتعرف على أوضاع الحالة الإسلامية هناك وعلاقة الإسلام بالواقع الاجتماعي والسياسي وعلاقته بالأحزاب السياسية، فهذا هو موضوع رسالتي للدكتوراه في العلوم السياسية، وفي الواقع فإن الحالة التركية تزخر بالكثير من الدلالات والخبرات، لكني أحاول التركيز على قضية أساسية لم تكن الحركة الإسلامية على وعي بها، وهي الظن أو الاعتقاد أن المجتمعات واحدة وأن العلوم واحدة، وأن ما حدث في مجتمع يمكن أن يحدث بشكل آلي أو أوتوماتيكي على المجتمعات الأخرى، وأن قواعد العلوم التي جري تطبيقها على حالة محددة يمكن أن تطبق علي الحالات الأخرى بدون وعي بأنه من أكبر الخطايا العلمية والحركية والمنهاجية تصور أنه يمكن تعميم قواعد العلوم على كافة الحالات دون معرفة البيئة أو الأرض أو المجتمعات التي نطبق عليها هذه القواعد، ففي العلوم الاجتماعية بالذات -وهي العلوم التي يجب أن تكون موضع اهتمام الحركات الإسلامية- لا يوجد قانون ثابت يمكن تعميمه بحيث نقول مثلاً: إن الثورات تنشأ في المجتمعات حين ينتشر الظلم والاستبداد، وإن أي مجتمع تنتشر فيه المظالم؛ فإن الثورة تصبح العمل الممكن والمتاح فقد ينتشر الظلم والاستبداد في مجتمع لكنه لا يولد ثورة، وربما يكون اللجوء لاستخدام القوة من أجل تثوير الناس ليس منهجاً صحيحًا، فظروف إيران ليست هي ظروف مصر، ولاهي ظروف تركيا أو الجزائر، ومن هنا فإنه يوجد ما أطلق عليه"علم الفروق بين المجتمعات".

بحيث إن الذي يحدد صحة المقولة العلمية ليس كونها صحيحة في ذاتها علي المستوي التجريدي، وإنما الذي يحدد صحتها هو قابليتها للتطبيق في سياق اجتماعي وسياسي معين، وهذا في الواقع يفرض على الحركات الإسلامية في بلدانها أمرين؛ أولهما: معرفة المقولات والنظريات والاتجاهات العلمية والفكرية، وحتى السنن والقواعد الاجتماعية المستقرة.

وثانيهما: التعمق في معرفة واقع بلدانها الذي تتحرك فيه، بحيث يمكنها فهم ما يصلح لمجتمعها، والتعامل مع الوسائل والأدوات والوسائل المناسبة لإصلاح هذا الواقع، ويدخل في معرفة هذا الواقع التأمل في طبيعة القوى السياسية والمجتمعية وطبيعة التوازنات التي تحكم المجتمع، ومعرفة نفسية وخصائص المجتمع الذي يمثل المجال الحيوي لفعل الحركات الإسلامية. ففي العلوم الاجتماعية والسياسية الذي يحدد كون المقولات أو النظريات المجردة صحيحة أو خاطئة أو أنها ملائمة أو غير ملائمة؛ هو السياق والواقع الاجتماعي والسياسي والحركي الذي تطرح فيه.

وبين المقولة العلمية المجردة أو حتى السنة الكونية الاجتماعية وبين الواقع الذي تطرح فيه يوجد وسيط مهم جداً؛ هو العقل الذي يجتهد لمحاولة التوفيق بين هذه السنن والقواعد المجردة، وبين الواقع الذي تتحرك فيه الحركات الإسلامية. ففي الفترة الأخيرة بدأت الحركات الإسلامية تلتفت لأهمية القواعد والسنن الاجتماعية مثل قوله تعالى (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً) ، ففسق الأمراء وترفهم مؤذن بخراب العمران وزوال السلطان لكن هناك ما يطلق عليه في العلوم الاجتماعية الوسيط بين هذه القاعدة وبين الواقع الذي تتحرك فيه، وهذا الوسيط هو ما يطلق عليه التكنيك، أي التوصل عبر العقل والاجتهاد والجهد البشري للحركات الاجتماعية ليتحقق هذا القانون الاجتماعي وهذه السنة الكونية الاجتماعية، فهناك آليات هي التي قادت لوصول المترفين والفاسدين للسلطة، وهناك آليات وجهد بشري في الواقع لحرثه وفهمه ومعرفة كيف يمكن التعامل معه للتخلص من هذه الفئة المترفة الفاسدة، فهذه السنن لا تتحقق بشكل آلي فور وقوع شروطها دون جهد من البشر؛ بل إنني لا أبالغ إذا قلت إنه ربما يكون تحكم المترفين هو نتيجة لعدم القدرة على فهم الواقع والتعامل معه بما يتكافأ ومتطلباته من جانب الحركات الاجتماعية التي تسعى للتغيير ومنها بالطبع الحركات الإسلامية.

تركيا حالة فريدة

كما هو معلوم فإن الأتاتوركية تسلطت على واقع تركيا بعد سقوط الخلافة والقضاء عليها تمامًا عام 1923م، وتم إعلان الجمهورية التي مثلت فيما نتصور حالة فريدة في التاريخ البشري، فبقوة القهر والبطش والجهل سعت الأتاتوركية إلى الاعتداء على هوية المجتمع التركي وتاريخه وتراثه بحيث إنها كانت أكثر عنفًا ووحشية من النازية والشيوعية والفاشية، إلى درجة أن الزائر لتركيا لا يمكنه أن يفارق عقله السؤال الذي لايمكن دفعه وهو كيف حدث هذا؟ كيف استطاعت الأتاتوركية أن تستلب لهذا الحد التراث والتاريخ والهوية والعقيدة لشعب قوي له جذوره الممتدة في التاريخ وناضل وخدم الإسلام لأكثر من ألف عام، قاوم الأتراك الإجراءات المجنونة لأتاتورك لكن عنف السلطة وبطشها عصف بكل الذين قاوموا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت