فهرس الكتاب

الصفحة 1538 من 27364

يحي أبو زكريا

25/2/1426هـ

يعد الكثير من المثقفين الجزائريين أن الأزمة الدموية التي عصفت بالجزائر منذ وقف اللعبة الديموقراطية هي في بعدها ووجهها الآخر أزمة هوية، وأن الصراع الدائر بين السلطة والإسلاميين هو صراع أيديولوجي ثقافي، حيث يمتلك كل فريق من أفرقاء الصراع قناعات فكرية تتصل بهوية الجزائر وانتمائها، وفي أي خانة يمكن أن تصنف الجزائر، ويمكن حصر هذه القناعات في ثلاث خانات:

1-العروبة والإسلام.

2-الأمازيغية أو البربرية.

3-الفرانكفونية والتغريب.

والملاحظة البارزة في حيثيات الصراع الجزائري أن دعاة الأمازيغية والفرانكفونية شكلّوا تحالفاً استراتيجياً لمواجهة دعاة العروبة والإسلام، وأن الأطروحة الأمازيغية عادت بقوة إلى الواجهة السياسية في الجزائر ليطالب دعاتها بالغاء التعريب الذي هو في نظرهم دخيل على الجزائر، والذي وصلها سابقاً على يد الفاتحين العرب والمسلمين، ولاحقاً على يد العروبيين الذين درسوا في المشرق العربي كمصر وسوريا والعراق وغيرها من الدول العربية.

وكان أحد زعماء البربر متجنياً عندما قال:"إذا كان العرب في وقت سابق قد وصلوا على متن النياق إلى المغرب العربي؛ فأنا سأكون معهم رفيقاً، وأعيدهم على متن البوينغ إلى بلادهم الأصلية في الجزيرة العربية".

وإقحام الورقة الأمازيغية - البربرية - في الصراع الجزائري ساهم في تعقيد الأزمة الجزائرية، وتعميق الشرخ داخل الجزائر، وقد يهيئ الجزائر على المدى المتوسط والبعيد لبدايات التدخل الأجنبي، والذي تبلور بوضوح أثناء الأزمة الجزائرية.

وفيما يتعلق بالأطروحة البربرية فلا يمكن فهم أبعادها وأهدافها دون معرفة جذورها، وكيفية تحولهّا إلى ورقة سياسية أرادت فرنسا من خلالها ذات يوم تمزيق صفوف الثوّار الجزائريين الذين أعلنوا الثورة على فرنسا والحلف الأطلسي في الفاتح من نوفمبر عام 1954م، ويجمع المؤرخون الجزائريون كما الغربيون على أن الشعب الذي قطن منطقة الجزائر والمغرب العربي هو شعب أمازيغي بربري - الأمازيغ في اللهجة البربرية هم الأحرار -، وقد كان هذا الشعب الحر أو الأمازيغي معروفاً بالخشونة والمجازفة، والشجاعة والدفاع عن الثغور، ولعّل تسمية سكان الجزائر بالأمازيغ أو الأحرار تعود إلى محاربتهم لكل الغزاة الذين حاولوا استعمار الجزائر كالرومان والوندال، والفينيقيين وغيرهم، وحتى الفتح العربي والإسلامي لاقى في بدايته مواجهة أمازيغية، وكان على رأس المقاومة المرأة التي عرفت باسم الكاهنة، والتي أمرت أبناءها فيما بعد بضرورة اعتناق الإسلام، وعندما أدرك سكان الجزائر أن الفتح العربي والإسلامي يختلف عن الغزوات السابقة التي تعرضت لها الجزائر احتضن الجزائريون دعوة الفاتحين، وحتى الكاهنة تخلت عن مقاومتها للقادمين من الجزيرة العربية، وحثّت أبناءها على مناصرة الفاتحين في فتح الأندلس.

ودعاة الأطروحة الأمازيغية في الجزائر وفي دعوتهم إلى اللغة والثقافة الأمازيغيتين يدعون إلى الأمازيغية بخصائصها قبل الإسلام، وضرورة نبذ الأمازيغية التي انصهرت في بوتقة العروبة والإسلام وتشبعت بهما، كما أن دعاة الأطروحة الأمازيغية يعدون أن أصول الشعب الأمازيغي آريّة؛ أي أن الامتداد العرقي للأمازيغ يتصل بالحقل الجغرافي الغربي، ولذلك تنكّر هؤلاء لعروبة الجزائر، وكانوا يتهمون القائلين بعروبة الجزائر أنهم بعثيون جاؤوا بهذه النغمة من المشرق العربي وعواصم الشرق الأوسط.

والقول بآرية الشعب الجزائري معناه إيجاد توجهات جديدة للشعب الجزائري، واهتمامات بعيدة كل البعد عن العالم العربي، إلى درجة أن سعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية البربري، وغداة تشكيل حزبه قبل سنوات عديدة قال: إن حزبه إذا وصل إلى السلطة فسوف يغيّر بنود الدستور الجزائري، ومنها انتماء الجزائر إلى العالم العربي، وطالب بإلغاء العالم العربي، والبند الذي ينصّ على أن الإسلام هو دين الدولة في الجزائر، وقد نبّه بعض دعاة العروبة إلى خطورة القول بآرية الشعب الجزائري؛ لأن هذه الدعوة تربط مصير الجزائر بمصير الغرب، وتجعل الجزائر غير معنية بقضايا العالم العربي الشائكة وغيرها، وتحديداً القضية الفلسطينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت