فهرس الكتاب

الصفحة 23879 من 27364

مجلة البيان - (ج 150 / ص 134)

د. محمد يحيى

في محاولة تتبع الجوانب المختلفة للدعوة ودحض ما يروَّج له مما يسمى بحوار الأديان بين الإسلام والنصرانية على وجه التحديد لا ينبغي إغفال مسألة السياق العام أو الظروف والأوضاع التي تطرح هذه الدعوة في سياقها أو يراد لها أن تجري في ظلها، ولعل أبرز ما يشد الانتباه هو ذلك التفاوت الحاد بين السياق الذي تنشط فيه النصرانية بكنائسها هذه الأيام والسياق الذي يمر به الإسلام وهذا التفاوت الحاد في الظروف والسياق؛ حيث يكشف عن الجانب المريب أو على الأقل غير المتكافئ وغير المناسب لهذه الدعوة وهو ما سعيت إلى الكشف عنه من زوايا أخرى في مقالات سابقة حول الموضوع نفسه.

إن النصرانية العالمية بكنائسها وحركاتها ـ ولا سيما في أمريكا وأوروبا ـ تمر بحالة من المد تزداد قوة على مدى الأعوام الماضية؛ حيث أخذت تستعيد مكانتها الفاعلة والمؤثرة في المجتمعات على حساب تراجع أكبر في الأنظمة والمذاهب والتوجهات العلمانية التي تحكم تلك المجتمعات الغربية أو كانت تحكمها حتى عهد قريب، وتقترن بهذه القوة المتنامية في المجتمعات الغربية للنصرانية من حيث إنها دين وعاملُ فعلٍ اجتماعي ـ ثقافي ـ سياسي عمليةُ توسُّع كبرى وطرح للذات على مستوى العالم كله، ولم تعد هذه الحركة تقتصر على ما يسمى عادة في الكتابات الإسلامية بالتبشير أو التنصير على الأصح بل إنها تعدَّت ذلك بكثير لتصبح النصرانية قوة دولية نشطة تسهم في شتى التحركات السياسية تحت شعارات أبرزها:"السعي للسلام والوفاق"والطروحات الثقافية (قضايا التعاون بين الثقافات والتقارب والحوار فيما بينها) بل والجهود الاقتصادية (تقديم معونات"التنمية"والخدمات الصحية والتعليمية على نطاق عالمي ... إلخ) ، ولسنا بحاجة لضرب الأمثلة الكثيرة والمتواترة على هذا الوضع الجديد للنصرانية العالمية الذي نكتفي بتلخيصه بأنه تحول من حالة انحسار وضعف داخلي إلى وضع القوة الدولية الفاعلة في مجالات تتجاوز ما اصطلح على وصفه بـ"الديني"لتصل إلى الأبعاد الكاملة لما يوصف بـ"السياسي"وهي قوة تزداد فاعليتها وأثرها على سياسات بلدانها؛ بل تكاد توجهها.

ويرتبط بذلك وفي السياق نفسه بل ويترابط معه بشكل المسبب للسبب تصاعد موجة العداء للإسلام في الغرب وهو العداء الذي يحاول بعض اللادينيين في البلدان الإسلامية التهوين منه بالقول بأنه مجرد رد فعل لممارسات المسلمين"الإرهابية"أو"الظلامية". كما يحاول بعضٌ آخر التقليل من خطره بالقول بأنه مجرد بحث من جانب الغرب عن عدو جديد بعد زوال الشيوعية؛ غير أن شراسة هذا العداء واستمراريته واتخاذه لأشكال منظمة ومخططة واسعة المدى يدحض تلك الأقاويل بل الأباطيل، ويكشف عن أن الهجمة الغربية على الإسلام تأتي من مستويات أعمق من مجرد ردود الأفعال وأن هذا العداء يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالوضع القوي الذي أصبح للمسيحية بحركاتها وكنائسها في وضع الاستراتيجيات الكبرى في الغرب وإدارتها؛ دون أن ننسى بالطبع دور اليهود والصهيونية في صنع هذه العداوات وتأجيجها وتوجيهها.

والحق أن دعوة الحوار تبدو غريبة بل مثيرة للشكوك عندما تأتي في هذا السياق الغربي من عداء منظم ضد الإسلام يشمل نطاق الفعل السياسي الغربي (من وسائل الإعلام إلى الجامعات ومراكز الأبحاث إلى مخططات المعونة الاقتصادية والفنية إلى النشاطات الثقافية والفكرية إلى الاستراتيجيات العسكرية والأمنية) وأيضاً من تنامي قوة النصرانية العالمية باعتبارها عنصراً فاعلاً وعلى امتداد نطاق الفعل نفسه في كل جوانبه على المسرح العالمي، وفي ظل هذا العداء المستحكم من ناحية والقوة الصاعدة الواثقة للنصرانية الدولية من ناحية أخرى فإن الدعوة إلى ما يسمى بـ (حوار الأديان) وبالذات مع الإسلام تبدو وكأنها ورقة سياسية ضاغطة تستخدم لتحقيق أهداف بعينها تخدم هذه القوى والسياسات الغربية أكثر منها دعوة صادقة أو واضحة للتقارب والتعاون حسب ما يُدعى لها علناً وفي وسائل الإعلام؛ ذلك لأن للسياسات الغربية والكنسية أولوياتها المحددة وثوابتها الكبرى واهتماماتها الأسمى في هذه المرحلة أولها"جدول أعمال"خاص بها على حسب مصطلح المؤتمرات.

ولا تمثل دعوة الحوار الديني أياً من هذه المبادئ والأولويات الجوهرية لكنها مجرد أداة من أدوات تحقيق هذه الأولويات السياسية تستخدم بقدر وبشكل مؤقت لتحقق ما يُبتغى منها ثم تُنَحَّى جانباً، وليس غريباً أو مما يستبعد أن نحدد أهداف هذه الأداة في نوع من التحذير للمسلمين أو لفت أنظارهم بعيداً عن المواجهة المطلوبة أو"التجسس"للتعرف على الكيفية التي يفكرون بها ويتصرفون من خلالها أو ـ وهذا هو الأهم ـ تعديل مواقفهم وأفكارهم وتحويرها لإبعادها أو إضعافها عن المواجهة مع الغرب الصليبي وحليفه اليهودي الصهيوني وذلك عن طريق العلمنة قبل أي شيء آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت