خريف الليبرالية نظرات في أزمة الليبراليين مع حدث الاستهزاء بالنبي الأمين r
عبد الله بن صالح العجيري
إن في حالة الغضب التي تعيشها الأمة اليوم تعبيراً صادقاً عن المحبة التي تملأ النفوس، وتعتلج في القلوب، وتسري في الأرواح، تجاه النبي صلى الله عليه وسلم ، أشرف الناس، وأحسن الناس، وسيد الناس، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم . وهذا الغضب هو الحق الأول الذي تقدمه الأمة نصرةً لنبيها الكريم صلى الله عليه وسلم ، والذي يستتبع حقوقاً وواجبات أخر؛ إنه الغضب الواجب الذي سنّه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نرى محارم الله تنتهك، وهو الغضب الذي يزعج البدن للتحرك، والعقل للتفكير طلباً للنصرة، كلٌّ بحسبه، وحسب موقعه، وعلى وسعه وطاقته، بالحكمة التي تصلح ولا تفسد، وتبني ولا تهدم، فلا تهوُّر ولا طيش، ولا كسل، بل وضع للشيء في موضعه المناسب، وفي وقته الصحيح.
وإن فيما يرى من مظاهر الغضب والنصرة لدليل على الخير المتأصل في كيان هذه الأمة والمستقر في وجدانها، وهل كان يُنتظر من أمة الإسلام إلا هذا؟ وهل كان يُظن بها إلا ما وقع؟ إنها أيام الغضب والفرح، الغضب للرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم ، والفرح بنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وما تحقق للأمة من مكاسب ونجاحات، لكن مما يؤلم ويؤذي ما يُرى من إعراض بعضٍ عن مشاركة الأمة غضبتها، بل نصرتها لنبيها صلى الله عليه وسلم ، فخنسوا وسكتوا، ثم سكتوا، ثم نطقوا فبئس ما نطقوا؛ وليتهم ما فعلوا؛ فلا هم بالذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا هم بالذين تركوا الأمة وخيارها يعملون في نصرته، إنهم مسوخ بشرية القالب ناطقة بالعربية والضاد لكن القلب غربي الهوى، قد ركبوا موجة الأحداث لكن في الوقت الضائع، وسبحوا في بحرها لكن بعكس التيار، ليثبتوا للأمة أنهم في واد والأمة كلها في واد آخر؛ فلا الهمُّ هو الهمُّ، ولا القضية هي القضية، ولا المصالح هي المصالح. لهم برنامجهم الخاص الذي يريدون تمريره، ولهم خطتهم التي يريدون تنفيذها، قد وجدوا في الأحداث تعطيلاً للمخطط، وعائقاً لتمرير المشروع، فأخذوا في الالتفاف حول الحدث محاولين تجاوز العوائق، ولملمة المشروع، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فخرجوا من بعد صمت ليدعوا الأمة إلى التسامح والعفو والتهدئة، في وقت يأبى العدو أن يتقدم باعتذار، بل يزيد من سخريته وباستهتار، وكتبوا ليجرُّوا الأمة لمعركة داخلية، بدل توحيد الصف لصدِّ الهجمة الخارجية، ونطقوا بالسوء لتصفية الحسابات وتوزيع التهم وكيْل الشتائم، وكان الظن أن مقام النبي صلى الله عليه وسلم محل وفاق وكلمة إجماع، وأن هذا المقام متى مُسّ فالكل سيقول كلمته الواضحة البينة في نصرته صلى الله عليه وسلم ؛ لا التواء فيها ولا غموض، فخيّب القوم الظن وأظهروا قبيح ما تكنّه الأفئدة والقلوب، فطعنوا الأمة في الظهر، وحاولوا الاصطياد في الماء العكر، وأقدموا على تفريق الصف في ظرفٍ الأمة كلها مستنفرة في وجه عدو واحد، فأضحى كشف هذا التوجه المشؤوم واجبنا نصرةً للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، ونصحاً للأمة، وفضحاً لهذا التيار، وتسجيلاً لمواقف السوء هذه ليحفظها التاريخ: {إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14] ، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] .
من دعوات التيار الليبرالي ـ والتي بدأت تتضح أبعادها، وتتكشف ملامحها ـ دعوتهم إلى (التسامح مع الآخر) والتي علا صوتهم بها، وتتابعت كتاباتهم فيها، والتسامح متى وضع في موضعه الصالح له واللائق به كان خُلُقاً إسلامياً مندوباً إليه، لا شك في ذلك ولا ارتياب، شأنه في ذلك شأن غيره من الأخلاق، لكنهم بما يسطرون اليوم يكشفون عن حقيقة دعوتهم المشبوهة هذه، وأن التسامح المطلوب ليس هو ذاك التسامح الشرعي الذي جاء الحضُّ عليه والأمر به، كلاَّ؛ إنما هو لون جديد من التسامح أبعد مدى وأوسع مساحة، إنه التسامح مع من اعتدى، وأذلّ، وأهان، ووجّه الصفعة بعد الصفعة، وأعظم في الفِرية، ويدَّعون أن هذا سنة نبوية، وطريقة محمدية؛ فهل على الآخذ به من ملام؟ وما علم القوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكيماً بل سيد الحكماء، يزن الأمور بالعدل، ويضع الدواء على الجرح، ويقدِّر المصالح والعواقب؛ فكما ترك عبدَ الله بن أبيّ بن سلول ـ زعيم المنافقين ـ بلا عقاب، أخذ عقبةَ بن أبي معيط بما أساء. وكما قال لقريش: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» أمر بقتل ابن خطل ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة. وهكذا، فليس الأمر ـ كما يراد تصويره ـ تسامحاً مطلقاً، أو عقاباً مطلقاً، وإنما الأمر إلباس كل حدث لبوسه، وإعطاء كل مسألة حقها. وأحسب أن ما يجري اليوم من انتهاكات صارخة لدين الإسلام ونبي الإسلام لا محل فيه للتغافر والمسامحة والتجاوز، وإنما الواجب القيام بالنصرة، والغضب لله، واستيفاء الحقوق.