فهرس الكتاب

الصفحة 4003 من 27364

أو النظام العالمي الجديد

العولمة ليست ظاهرة جديدة، فقد ظهرت مع انتصار رأسمالية"دعه يعمل"في عصر ما بعد الثورة الصناعية، والتوسع الاستعماري الأوربيّ، بعبارة أخرى، أنشأ الاستعمار الأوربيّ المنتصر تحوُّلات عميقة سياسية واقتصادية وثقافية ودينية في ما يدعى العالم الثالث، وأدت هذه التحولات إلى تفاعل دائم بين الشمال والجنوب (10) ، وكانت السيطرة الاستعمارية ذات حدين: فأدت إلى تحديث بعض المؤسسات والقطاعات الرائدة في العالم المستعمَر كالجيش وقوات البوليس والنسق التعليمي، ولكنها خلقت أيضاً اختلالاً في التوازن الاجتماعي والاقتصادي، من قبيل الفجوات الأساسية بين الريف والحضر التي أدت إلى هجرة ريفية إلى المدينة، والنخبة الفكرية الداخلية القلقة ومزدوجة اللغة (11) .

لقد كانت استجابة الدولة القومية لتغلغل رأسمالية الطبقة الوسطى والبرجوازية تؤكد على الاستقلال الوطني الاقتصادي والثقافي، وتسعى لإنشاء بنى وأسس جديدة للدولة الجديد لتجاوز الاستقلال التقليديّ عن الاستعمار، ومنح وجود الاتحاد السوفيتي والحرب الباردة الدول القومية الجديدة حيزاً للمناورة، ومع ذلك فقد حوّل حدثان رئيسان التوازن في السبعينيات والثمانينيات لصالح الغرب الرأسمالي: فتح الرأسمالية الأمريكية السوق الصينية الضخم (12) ، وانهيار النظام السوفيتي وما تلاه من انتهاء الحرب الباردة، التي كانت علامة بارزة على انتصار الغرب الرأسمالي على الشرق الاشتراكي (13) ، وترك هذان الحدثان الرئيسان -منقطعا النظير تاريخياً- الدول القومية عرضة لتحديات، وأخطار حقائق النظام العالمي الجديد الاقتصادية والجغرافية السياسية (14) .

يدلل التغير السالف مرة أخرى على أهمية القرارات الاقتصادية في تحديد اتجاه السياسة العالمية والمستقبل، فبدأت الرأسمالية التنافسية المدفوعة بدافع الربح حملة جديدة: غزو الفضاء بعد غزو الأراضي (15) ، وانضمت إليها الشركات متعددة الجنسية التي ترى مستقبل الرأسمالية في غزو فضاء جديد وأقاليم غير مادية جديدة، وتسعى ـ للنجاح في ذلك ـ لإنشاء مناخ عالمي يسمح بالتنافسية بدون اليد المتحكمة للدولة. إن اتجاه الرأسمالية العدوانية هذا اندفاع جنوني، أو لنقل أنه الأكثر خطورة بسبب غياب نظام سياسي واقتصادي دولي متعدد، ولاحظ أحد المؤلفين أنه في ظل نظام الليبرالية الجديدة الأحادي فإنه"في عصر اللبرلة واسعة الانتشار، فإن الشركات الخاصة، بالتنسيق مع الدول والهيئات الدولية المسئولة عن مساعدتها مفوَّضة في تعزيز الوفرة والرفاهة الإنسانية، وتنتج هذه المشروعات السلع، وبشكل متزايد الخدمات، ويُتجاهل أكثرها فعالية الحدود، والربح هو علة وجودها ومحركها الوحيد والحقيقة أنه ثمة فجوة كبيرة تفصلها عن القدرة على الوصول لأهدافها، وحتى لو لم نضع في خلفية تفكيرنا هذه الشركات التي أخفقت في الغرب، فإنه يجب التأكيد على أنه لا أمل للجنوب (16) ."

لقد كان لإنشاء مناخ معولم سهل الانقياد لنمط جديد من الربح الدولي آثار سلبية على الاقتصادات المحلية الداخلية ، فأنشأ مجموعة جديدة من قواعد الرشاد والقيم لا تأتلف مع تقاليد وثقافات وتواريخ شعوب البلاد الأصلية والدول القومية، إن منطق الرأسمالية ليس الحفاظ على إنماء نظم اجتماعية اقتصادية سليمة بل جنى الربح بأسرع ما يمكن (17) .

تستدعي الفكرة الأخيرة التساؤل حول العلاقة الجديدة بين الشركات متعددة الجنسية والدولة القومية، من حيث دور الدولة في المجتمع، والتغيرات العميقة في علاقات القوة، ليس بين الشمال والجنوب فحسب ، بل بين دول الجنوب أيضاً، وطبيعة المجتمع المدني، وتضمينات هذا للديمقراطية في العالم الثالث (18) .

تتحدى العولمة الدولة القومية لتفتح فضاءها وحدودها لنمط جديد من التنافس المتحرر من أية سيطرة (19) ، ويتوقع من نخب الدولة القومية السياسية أن تتعاون بشكل كامل مع المشروعات الاقتصادية ، وغالبا ما تكون مراكمة رأسمال وطني مستحيلة، لأن العديد من دول العالم الثالث مثقل بديون كبيرة للمؤسسات المالية الدولية، وهنا تتغير قواعد اللعبة، فالتنمية الوطنية والنمو في العالم الثالث مقيدان بتراكم رأس مال على نطاق دولي.

كانت العولمة في الخمسينيات والستينيات -وفقاً لرؤية سمير أمين- محكومة إلى حد ما بثلاثة عوامل دولية: تدخل الدولة الرأسمالية في عملية التراكم، والمشروع السوفيتي لإقامة اقتصاد اشتراكي، ومشروع باندونج من أجل عالم غير منحاز يتشكل تحت رعاية سوكارنو ونهرو وناصر (20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت