بقلم: د. حلمي محمد القاعود
في أواسط أغسطس 2004م، شاركت في برنامج تلفازي يبثّ على الهواء حول المظاهرة التي قادها"شريف الشوباشي"، وكيل وزارة الثقافة ورئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، والصحفي بجريدة"الأهرام"، وهي المظاهرة التي هتف فيها بسقوط"سيبويه"عالم اللغة العربية الأشهر، من أجل تطوير اللغة العربية وتقدم العرب! وقد أحسست من خلال المداخلات والمشاركات التي كان"الشوباشي"طرفًا فيها، أن الموضوع بدا مظاهرة، ولكنه لم ينته بعد، وأظنه لن ينتهي لأسباب، منها:
أن توقيت طرحه جاء موازيًا أو مواكبًا لدعوات أخرى اتخذت شكل أحزاب جديدة أعلن عنها البعض ترفض عروبة مصر، واللغة العربية، وتدعو إلى بعث الهيروغليفية، بوصفها أساس العامية المصرية الجارية الآن.
أن إثارة الموضوع من خلال حفاوة شبه رسمية، سواء من الناشر الذي أبرز صورة المؤلف على غلاف الدعوة على غير العادة، وأبرز الهتاف بسقوط سيبويه من خلال بنط كبير للغاية، أو من خلال بعض الصحف والكتاب الذين روَّجوا للموضوع، ثم تجييش بعض البرامج الإذاعية والتلفازية لتقديم"الدعوة"بوصفها تصب في سياق ما يسمى بالتنوير، يعني أن الأمر ليس بسيطًا ولا هينًا، وليس مجرد رأي شخصي قد يحالفه التوفيق أو لا.
أن التركيز على تعليق جريمة التخلف العربي في رقبة اللغة العربية، وتجاوز الأسباب الحقيقية لهذا التخلف، يشي بأن المقصود هو صرف الأنظار عما يجري للأمة من هوان ومذلة وانهيار، والوقوف على قضية ذات مستوى علمي تخصصي بمنهج دعائي بعيد كل البعد عن المعالجة العلمية والمنهجية لمشكلة نتجت عن التخلف العربي، ولم تكن سببًا فيه بحال من الأحوال.
أن هذه الدعوة قديمة قدم النهضة الحديثة، فقد بدأت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، وقادها بعض الأجانب الذين رأوا في اللغة العربية عائقًا أمام أطماع الغرب الاستعماري في تحقيق التبعية والتغريب، فنشروا آراءهم التي يعيد إنتاجها"الشوباشي"بعد قرن وربع قرن من الزمان، ومن هؤلاء اللورد جراي، واللورد كرومر، وخليفته دانلوب، والسير ويليام ويلكوكس، والمستر ويلمور.. وسنعود بعد قليل إلى عرض بعض آرائهم بإيجاز مع آراء بعض المصريين والشوام الذين شايعوهم، لنرى مدى الاتفاق والاختلاف مع"دعوة"الشوباشي التي قدمها من خلال تظاهرته وهتافه وبسقوط سيبويه.
يقول"شريف الشوباشي"في كتابه"لتحيا اللغة العربية: يسقط سيبويه"الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2004م، ص 166:
"وبعيد عن ذهني تمامًا أن أدعو إلى تطوير جذري يقضي على أسس اللغة العربية، فمثل هذا التطوير يقطعنا عن تراثنا وثقافتنا، وهو مرفوض تمامًا بالنسبة لي. فنحن العرب أصحاب ثقافة من أهم الثقافات الإنسانية، ومن الجنون التفريط في هذه الكنوز التي تركها لنا السلف."
والمطلوب هو العمل على تطوير اللغة بجرأة، ولكن دون نسف الأسس التي قامت عليها والحفاظ على الشكل والقواعد الأساسية التي وضعها السلف. وأعلم أن أي تطوير للغة يمسّ جوهرها هو خوض في بحر غريق. لكن عبور هذا البحر هو سبيل الخلاص للعقل العربي وإنقاذه من الحلقة المفرغة التي يدور فيها منذ عدة قرون"."
ومع هذا التناقض الذي تحمله دعوة الشوباشي إلى"التطوير"الجذري دون نسف الأسس والثوابت، فإنه يصرّ على وصم اللغة العربية بالتعقيد والصعوبة، والقيد الذي يكبل العقل العربي ويغل طاقات العرب الخلاَّقة والإسار الذي يخنق الأفكار ويلجمها"وهي تسهم للأسف في حرماننا من الانطلاق إلى الآفاق الرحبة التي يفتحها العلم الحديث ووسائل المعيشة المواكبة للتطور العلمي. وباختصار فإن اللغة أصبحت سجنًا يُحبس العقل العربي بين جدرانه الحديدية بإرادته المستكينة" (ص13) ، ثم إنه يرى في رسوخ اللغة واستمرارها جمودًا وتحجرًا ينعكسان سلبًا على العقل العربي، ويقول:"فأنا أعتبر أن اللغة هي إحدى عناصر تخلف العالم العربي، وأن تحجر البعض في تناول قضية اللغة من أسباب عملية إجهاض النهضة" (ص15) ، أيضًا، فإنه يطالب بإعادة النظر في القواعد الأساسية للغتنا لتصبح أداة فعالة لتفجير طاقات العقل العربي المحتبسة في هيكل اللغة المقدس (!) ، وزعم أنه على ثقة من أنه يترجم المشاعر الدفينة في نفوس ملايين العرب وهو يهتف قائلًا: يسقط سيبويه!
ويقول ما فحواه: إن المجتمعات المتقدمة ليست على استعداد لإضاعة وقتها الثمين في الكلمات الرنانة الفارغة من أي محتوى، وفي القواعد المعقدة والجناس والطباق والمقابلة والاستعارة المكنية وغير المكنية وما شابه ذلك من محسنات بديعية (ص14) .
ويهدد الأمة بأنه إذا لم تجدد اللغة العربية نفسها فتبقى دائمًا لغة العرب المشتركة، أو تتقوقع على نفسها فتواجه خطر الزوال لحساب اللهجات كما حدث للغة اللاتينية في القرون الوسطى. (ص10)
هذا مجمل الخطوط الرئيسة لدعوى تطوير اللغة العربية التي يراها سبب تخلف العرب وابتعادهم عن التطور والانطلاق..