فهرس الكتاب

الصفحة 873 من 27364

جمال سلطان

كان الخبر مثيرا للدهشة ، بقدر ما كان محركا لمزيج من مشاعر الغضب والشك ، والخبر يتعلق بنشاط بعض المنظمات النسائية في بلد عربي خليجي ، وكان عنوانه يتحدث عن جهود لوضع صيغة قانونية صارمة من أجل تأخير سن الزواج للفتاة المسلمة في هذه الدولة ، بحيث لا تقل عن ثمانية عشر عاما ، وكذلك تأخير سن الزواج للشباب ، والذي يقتلك غيظا وكمدا أن هذه الدولة تعرف ـ حسب الإحصائيات ـ واحدة من أعلى نسب العنوسة بين الفتيات ، ومع ذلك تأتي منظمة نسائية لكي تتجاهل هذه الحقيقة المرة والمخيفة والمتعلقة بصميم بنية المجتمع وسلامته النفسية والأخلاقية والدينية ، لكي تحارب من أجل إصدار قانون لا يمثل أية أولوية اجتماعية أو نفسية في هذا البلد على الإطلاق ، وإنما هو تقليد أعمى لتصورات وأولويات بلاد أخرى وشعوب أخرى لها نسيج اجتماعي مغاير تماما لطبيعة مجتمعاتنا ، ولها منظومة قانونية وأخلاقية مختلفة عن منظومتنا التشريعية والأخلاقية ، ولو كان هناك إخلاص وعقل وتجرد للمصالح الحقيقية لأوطاننا وشعوبنا ، لكان عكس الدعوة السابقة هو المطلب الملح مع وضع البرامج التربوية والنفسية المعينة عليه والموجهة له ، أي أننا في حاجة إلى تبسيط الزواج وسبله بالنسبة للفتيات والشباب على السواء ، وإلى خفض سن الزواج بالنسبة للاثنين بحيث تجد الفتاة والشاب فور بلوغهما ما يروي فطرتهما التي يشعل شياطين الإنس من حولهما جذوة نيرانها في كل موطئ قدم يطئوه أو مكان يتلفتوا إليه ، في الشارع والمذياع والتلفاز والسينما والمسرح والإعلان والموسيقى والأغنيات التي تتبارى الآن في مستوى الخلاعة والتماجن والبرامج الإباحية المتسترة في ثوب التثقيف الجنسي والاجتماعي والروايات والقصص التي ينشرها مرضى وشواذ ومهووسون جنسيا ، سيل عجيب ومتوالي يحاصر الفضيلة والعفة ، ويعكر صفو الخاطر ويلوث الفطرة ، ويدمر قيمة الحياء وبهاءها ، بل وجدنا من يكتب أو ينشر أو يذيع برامج لمعالجة ظاهرة الحياء عند الفتاة أو الشاب ، معتبرا إياها مرضا نفسيا لا بد من مقاومته!، وإنما الصحة والعافية في التبجح والصفاقة وقلة الحياء ، في مثل هذه الدوامات يكون الدعوة إلى حرمان الفتاة من حقها الفطري والإنساني في الحياة الزوجية الهانئة جريمة في حقها واعتداءا على حقها الإنساني ، إن الفتاة الأوربية يمكن أن تمارس الزنا وهي في سن الثانية عشرة أو ما بعدها ، ولا شيء يجرم ذلك قانونا ، وإنما القانون يجرم زواجها عند هذا السن ! ، ولعل القارئ يذكر كيف حاكموا شابا تركيا وفتاة بريطانية أسلمت وتزوجته ، وكان هو في سن الثامنة عشرة وهي كانت في السادسة عشرة ، وشنت الصحف البريطانية حملة عنيفة على المسلم التركي الذي وصفته بالوحشية ، لأنه تزوج فتاة زواجا شرعيا ، ولم يزن بها ، وفي نفس الشهر كانت نفس الصحافة تحتفي طويلا بطالب بريطاني في الرابعة عشرة زنا بطالبة في الرابعة عشرة أيضا ، وأنجبت الفتاة ولدا من الزنا ، وأذكر كمية البهجة والحبور والعطف الذي عرفه الطالب والطالبة الزانيان من الصحافة البريطانية في ذلك الوقت ، وبطبيعة الحال ، هذه الانتكاسة الفطرية لا يمكن أن تتوافق مع مجتمعنا العربي المسلم وديننا وأخلاقنا وشريعتنا ، وبالتالي فما يقننه الأوربيون لمجتمعاتهم لا ينبغي أن نضعه بكل سذاجة في أولويات همومنا الاجتماعية ، لأنه حتى لو كان دواءا للمجتمع هناك فقد يكون داءا عضالا وفتاكا إذا فرضناه على مجتمعاتنا هنا ، إن حالة الاغتراب التي تعيشها النشاطات النسائية في العالم العربي في حاجة إلى متابعة ومراقبة ونقد صارم ، لأن حب الظهور للبعض أو الرغبة في التسلية وتزجية الفراغ عند أخريات لا ينبغي أن تكون على حساب مصالح أمتنا الحقيقية ، وعلى حساب أمننا الاجتماعي ، وعلى الجمعيات والمنظمات الإسلامية والخيرية والناصحة في هذه الأمة أن تقوم بدورها في التصدي لمثل هذه النزعات والنزغات ، ولا ينبغي أن نخضع للابتزاز الغوغائي المتستر بدعاوى تحديث المجتمع وتثويره أو تنميته .

موقع مجلة العصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت