فهرس الكتاب

الصفحة 5482 من 27364

عمر عبيد حسنة 8/10/1423

المواجهة بين المسلمين وأعدائهم لم تتوقف منذ فجر الإسلام ، مصداقاً لقوله تعالى:"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"، فالمعركة مستمرة ، وإن تعددت ساحاتها وتبدلت أسلحتها ، لأن الشر من لوازم الخير ، يقول تعالى:"وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيرا"فسنة التداول الحضاري من طبيعة الحياة:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"ولعل ذلك من أقدار الله الغلابة ومن ابتلاءات الخير والشر ، فالمسلمون مستهدفون بأصل إيمانهم وليس بسبب كسبهم أو فعلتهم في كثير من الأحيان ، يقول تعالى:"وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد"، وسوف تتداعى عليهم الأمم لتأكل خيراتهم وتستنزف طاقاتهم وتتحكم ببلادهم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، وسوف تجتمع عليهم ، ولن ترضى عنهم حتى يتخلوا عن دينهم ويصبحوا أتباعاً لليهود والنصارى ، وإلا فالمعركة مستمرة:"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"وهذا قد يكون طبعياً من الأعداء ، لكن المشكلة - في غالب الأحيان - إنما تتمثل في غفلة المسلمين وسُبَاِتهم ، وعدم اليقظة إلى مكر عدوهم"ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة".

وهذا الذي أتينا على ذكره من القرآن ، يشكل قانوناً أو سنة من سن النهوض والسقوط ، والتاريخ شاهد على ذلك في القديم والحديث ، وكم غفل المسلمون أو تغافلوا عن هذا القانون ، وركنوا إلى الذين ظلموا ، ووالوا أعداء الله ، واتخذوا بطانة من دونهم لا يألونهم خبالاً ، وخودعوا بعهود ووعود ، فكان السقوط وكان التخلف ، وكانت الهزيمة الثقافية والسياسية والعسكرية ، لكن من نعمة الله على المسلمين أن تسليط عدوهم عليهم ليس تسليط استئصال وإبادة ؛ لأنهم أمة النبوة الخاتمة ، وإنما تسليط إيذاء وعقوبة على المعاصي الفكرية والسياسية والأخلاقية التي يقعون فيها ، قال تعالى:"لن يضرُّوكم إلا أذى"هذا الأذى ليس هو شراً دائماً بل هو - في كثير من الأحيان -خير"لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم"لأنه أشبه بالمحرّضات والمنبهات الحضارية ، التي تشعر الأمة بالتحدي وتبصَّرها بمواطن التقصير ،وتقضي على الجوانب الرخوة في حياتها ، فتستعد للإقلاع من جديد .. فالغريب أن تتوقف المعارك ويتوقف الأذى ، والغريب ألاّ يدرك المسلمون ذلك حق الإدراك ، وهم يتلون القرآن ويقرؤون التاريخ .

لقد مر على الأمة الإسلامية من الحروب والمواجهات والكيود والعداوات ما يكفي لإلغائها ، ليس من الحاضر فقط ، وإنما لاقتلاعها من الماضي أيضاً ، والذي يعرف طرفاً من هذه الحروب والمواجهات والعداوات المتسمرة ، قد لا يفاجأ بالواقع هنا وهناك ، وإنما يرى ذلك شيئاً طبعياً ، فالشر من لوازم الخير -كما أسلفنا - .

ونستطيع أن نقول: إنه على الرغم من شراسة المعركة ، ووحشية الهجمة على الإسلام والمسلمين في كل مكان ، وضخامة الضحايا والتضحيات ، إلا أن ذلك لا قيمة له إذا ما قيس بالمكاسب التي تتحقق يومياً لعالم المسلمين ، والحقائق التي تتكشف يومياً أمام من كانوا غافلين عن طبيعة الصراع إلى زمن قريب ، وكانوا يحسنون الظن بقيم الحضارة الغربية ، ويتوهمون أنها قيم عالمية إنسانية ، تساهم باستنقاذ الإنسان من الظلم والعدوان ، وتمنحه الحرية والعدالة والمساواة ، وإذا بها شعارات للمخادعة والتضليل السياسي ، طرحت في بلاد المسلمين لإخراجهم عن قيم دينهم وحضارتهم ، وتأمين ارتهانهم السياسي والثقافي للغرب وحضارته وبمجرد أن تعجز هذه القيم الغربية عن تأمين العمالة الثقافية وتحقيق الغايات والأهداف ، التي طرحت من أجلها ، فإن الغرب يكون أول المضحَّين بها والمتنكرين لها ، وشواهد الإدانة واضحة في البلقان ، وفلسطين ، وأفغانستان ، وغيرها كثير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت