فهرس الكتاب

الصفحة 14885 من 27364

سليمان بن صالح الخراشي

حدثني أحد طلبة العلم أنه اجتمع ببعض العصرانيين في أمسية حوارية استضافوه فيها، وكان من ضمن الملاحظات التي وجهها لهم: استغرابه ضعف تدين وتعبد الإنسان بعد أن يسلك مسلكهم؛ وهو أمر لا يخفى على أحد؛ فبعد أن كان يصلي في المسجد أصبح يصلي في البيت، وبعد أن كان يتطوع بالعبادات المتنوعة أصبح بالكاد يفعل الواجبات، وبعد أن كان يقرأ القرآن ويهتم به أصبح هاجرًا له.... هذا خلاف الأمور الظاهرة من تهذيب اللحية شيئا فشيئا حتى أصبحت عند بعضهم مجرد"سكسوكه"!

قال: فضجوا من هذه الملاحظة التي أثارت كوامنهم، ولمست جرحًا غائرًا في نفوسهم.. فحاولوا دفعها والتبرؤ منها... ولكن هيهات:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تخفى على الناس تُعلم

قلت: لا عجب من هذا

فضعف التدين والتعبد سمة أسلافهم القدماء من أهل الكلام أو تيار المدرسة العقلية.. فهم على آثارهم يهرعون

ولهذا أسباب كثيرة ليس هذا مقام سردها، ولكن من أهمها في نظري:

1 -انشغالهم"بالكلاميات"و"الفلسفات"و"الهذر"التي لا تدفع للعمل الصالح.

2 -انصرافهم عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى كلام البشر.

3-جرأتهم على المقدسات؛ وتحطيمها في نفوسهم واحدا بعد آخر.. مما يؤدي إلى ضعف تعظيم أوامر الله والانتهاء عن نواهيه.

4 -كثرة تعرضهم لفتن الشهوات والشبهات - بدعوى الاطلاع والحرية! - إلى أن تتشرب قلوبهم بالشهوات المضعفة؛ التي لا تقابل بما يدفعها من اعتصام بالله وعبادة، والإنسان خلق ضعيفا، والله يقول عن المنافقين ومرضى القلوب (ولكنكم فتنتم أنفسكم) .

وأسباب أخرى..

ومثل هؤلاء - في نظري - كمثل من يسير على رجل واحدة.. إما أن يتعثر فيسقط.. وإما أن يستقيم في سيره على رجليه

أما البقاء على حاله فمن المحال.

فهم إما أن يتداركهم الله برحمته كما تدارك بعض أسلافهم؛ فيعودوا إلى الحق والتدين الصحيح..

وإما أن يزداد انحرافهم تدريجيًا.. حتى يلحقوا بالملحدين والإباحيين - والعياذ بالله - كما حدث لغيرهم.

وقد أحببت - هنا - التعليق على ما قاله صاحبي عنهم؛ بذكر ما يؤيده من كلام العلماء الأولين في وصف شيوخ العصرانيين.

قال الإمام أبو القاسم الأصبهاني في كتابه: (الحجة في بيان المحجة، 1/121-122) :

(وهل رأى أحد متكلماً أداه نظره وكلامه إلى تقوى في الدين، أو ورع في المعاملات، أو سداد في الطريقة، أو زهد في الدنيا، أو إمساك عن حرام وشبهه، أو خشوع في عبادة، أو ازدياد من طاعة إلا الشاذ النادر. قل: لو قلبت القصة كنت صادقاً: تراهم أبداً منهمكين في كل فاحشة ملتبسين بكل قاذورة، لا يرعوون عن قبيح، ولا يرتدعون من باطل إلا من عصمه الله، فلئن دلّهم النظر اليقين وحقيقة التوحيد، فليس ثمرة اليقين هذا، وتعساً لتوحيد أداهم إلى مثل هذه الأشياء، وأوردهم هذه المتالف في الدين، ومن الله التوفيق وحسن المعونة) .

وقال - رحمه الله - مبينًا سبب سلوكهم طريق الضلال: (1/372-373) :

(فنحن اليوم في ذلك الزمان وبين أهله، فلا تنكر ما تشاهده منه، وسل الله العافية من البلاء، واحمده على ما وهب لك من السلامة، ثم إني تدبرت هذا الشأن فوجدت عظم السبب فيه أن الشيطان صار بلطيف حيلته يسوّل لكل من أحسّ من نفسه بفضل ذكاء وذهن، يوهمه أنه إن رضي في علمه ومذهبه بظاهر من السنة، واقتصر على واضح بيان منها كان أسوة العامة، وعُدّ واحداً من الجمهور والكافة، فحرّكهم بذلك على التنطع في النظر، والتبدع بمخالفة السنة والأثر، ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء، ويتميزوا في الرتبة عمن يرونه دونهم في الفهم والذكاء، واختدعهم بهذه المقدمة حتى استزلهم عن واضح المحجة، وأورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها، وتاهوا في حقائقها، ولم يخلصوا منها إلى شفاء نفس، ولا قبلوها بيقين علم، ولما رأوا كتاب الله - تعالى - ينطق بخلاف ما انتحلوه، ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه، ضربوا بعض آياته ببعض وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم، واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم، ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولسننه المأثورة عنه، وردّوها على وجوهها وأساءوا في نقلتها القالة، ووجهوا عليهم الظنون، ورموهم بالتزيد، ونسبوهم إلى ضعف المنة، وسوء المعرفة بمعاني ما يروونه من الحديث، والجهل بتأويله، ولو سلكوا سبيل القصد ووقفوا عند ما انتهى بهم التوقيف، لوجدوا برد اليقين وروح القلوب، ولكثرت البركة وتضاعف النماء، وانشرحت الصدور، ولأضاءت فيها مصابيح النور، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.

واعلم أن الأئمة الماضين والسلف المتقدمين لم يتركوا هذا النمط من الكلام، وهذا النوع من النظر عجزاً عنه ولا انقطاعاً دونه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة، وأفهام ثاقبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت