عبد الفتاح محمد ماضي** …
لا يمكن للمرء إلا أن يتفق مع الانتقادات التي وجهت إلى المشاريع الأمريكية للإصلاح في العالم العربي، غير أن ثمة أخطاء على الجانب العربي أيضا لا يجوز تغافلها أو التغاضي عنها...
الهدف هو إصلاح ما أفسدته الحكومات
أولاً: يجب أن تؤمن الحكومات، وليس الشعوب، بأن عمليات الإصلاح المنشودة تستهدف في الأساس إصلاح ما أفسدته تلك الحكومات على مدى عدة عقود خلت؛ ففساد السلطة والإدارة والتعدي على حقوق الإنسان، وتغييب الشعوب سياسيًّا واقتصاديًّا وتكنولوجيًّا، وتراجع القيم والمثل الدينية والأخلاقية.. إنما جاء نتيجة لمفاهيم وسياسات خاطئة ومضللة تبنتها السلطات الحاكمة لأسباب متعددة، وأفضت في كثير من الأحيان إلى حالة التخلف السياسي والاقتصادي والتكنولوجي التي تعاني منها جُل الدول العربية.
إيمان الحكومات بهذا قد يترجَم في الواقع العملي في أشياء كثيرة؛ لعل أبرزها أولاً: تركيز الاهتمام على تهذيب وسائط الإعلام ومناهج التعليم والتربية من القيم الهدامة والآليات المضللة، وكذا على السبل الكفيلة بالعودة إلى القيم الأخلاقية والدينية. وثانيًا: كف السلطات الحاكمة عن كل أوجه الفساد المالي والسياسي والإداري، وإتاحة الفرصة أمام الشعوب للمشاركة في عمليات الإصلاح في كافة مستوياتها وأبعادها.
الإصلاح يجب أن يكون عامًّا وشاملا
ثانيًا: يجب على المنادين بالإصلاح داخل وخارج السلطة الاتفاق حول مضامين عمليات الإصلاح تلك. فالإصلاح لا مناص من أن يشمل وضع الآليات الحقيقية الكفيلة بتطبيق المسائل الرئيسية التي أشارت إليها معظم المبادرات المطروحة، ومنها احترام الحكومات لحقوق الإنسان الأساسية، وإطلاقها حرية التعبير عن الرأي، وإلغاؤها للقوانين المكبلة للحريات السياسية والاقتصادية، وتطبيقها حكم القانون وقاعدة الثواب والعقاب على الجميع، والقضاء على الفساد بكافة أشكاله، واستقلالية القضاء، وإصلاح أحوال التعليم والجامعات، وتوسيع سبل المشاركة السياسية بكافة صورها وأشكالها ومستوياتها، وإصلاح الدساتير والمؤسسات القائمة، وضمان حقوق الأقليات الدينية والعرقية والمذهبية.
لا بد أن يتم ذلك كله دون تجاهل قيم ودين الغالبية العظمى من الشعوب العربية؛ الأمر الذي يجب على علماء هذا الزمان بحثه والخروج بصيغ مبتكرة لا تناقض القيم العليا لهذا الدين، ولا تتجاهل مكتسبات الغير في مجال الحكم وإدارة الدولة. وأقصد بالعلماء هنا علماء الشرع وكذا علماء السياسة والاجتماع والاقتصاد والإدارة؛ فاقتصار ذلك العمل على فريق واحد يؤدي إلى حلول ناقصة في كثير من الحالات.
فمسألة الحريات مثلا لا يجوز أن"تُستنسخ"من التجربة الغربية؛ فلا يمكن مثلا إقرار حريات الشواذ على النحو المعمول به في بعض المجتمعات الغربية، أو إطلاق حرية بيع الخمور؛ فكما تقف قوانين الولايات المتحدة وقيمها حائلا دون ممارسة المسلمين هناك لشعيرة الأضحية في المنازل، أو لتعدد الزوجات مثلاً؛ فلا بد أن تحول قيم المجتمعات العربية وقوانينها دون ما يخالف قيم الإسلام ومبادئه العليا. فأوجه التعبير عن الحرية أمر نسبي تتغير بتغير الزمان والمكان.
وأذكر هنا ما أشار إليه العالم عبد الوهاب المسيري من أن المستعمر الغربي حين ذهب إلى أفريقيا ووجد أهلها -نظرًا للظروف المناخية- يتحررون من الثياب، راح يعلمهم كيف أن التستر بالثياب من مقتضيات اللحاق بالعالم المتحضر، أما اليوم فالتعري والتجرد من الثياب صار سمة رئيسية من سمات الحضارة الغربية ذاتها.
لا إصلاح بدون إسلاميين
ثالثًا: هل ما تريده الحكومات هو ديمقراطية بلا إسلاميين؟ ما أعنيه هنا هو أن ثمة تناقضًا في الخطاب العربي الرسمي حول مسألة نفوذ بعض القوى الإسلامية، ونطاق عمليات الإصلاح المزمعة. ففي مناسبات معينة يعترف بعض المسئولين أن التيارات الإسلامية تسيطر على الشارع؛ نظرًا لتعاطف قطاعات كبيرة من الشعوب معهم من جهة، ولقوتهم التنظيمية من جهة أخرى. أما عند الحديث عن الإصلاح فيؤكد هؤلاء أنه لا مكان لتلك التيارات في أي نظام"ديمقراطي"مستقبلي، مستندين في ذلك إلى ما حدث في الجزائر مطلع التسعينيات. خطأ سياسة الإقصاء تلك (أو"فخ الانتخابات الحرة"كما يسميه بعض الباحثين الغربيين) ينبع من عدة أمور: