فهرس الكتاب

الصفحة 1623 من 27364

كريم كامل

الشركاء والمصادر والاستراتيجيات:

منذ الحادي عشر من سبتمبر قام العديد من الكتاب والعلماء وصناع القرار والباحثين بتأمل دور الإسلام في المجتمعات المسلمة؛ في الوقت الذي يتم فيه إعادة رسم الحدود الجيواستراتيجية والثقافية والاجتماعية في كل من واشنطن ولندن، وهي استراتيجية يحاول الغرب من خلالها أن يسيطر على «الأصولية الإسلامية» بمساعدة المسلمين (المعتدلين) ، لقد ورد ذلك في تقرير تم تمويله بواسطة أحد المراكز الفكرية الأمريكية المحافظة. إن هذا التقرير وهو بعنوان: الإسلام الديمقراطي المدني: الشركاء والمصادر والاستراتيجيات، قد تم إعداده بواسطة «مؤسسة راند» ، ومقرها في الولايات المتحدة، وبتمويل من مؤسسة (سميث ريتشاردسون) المحافظة، وهي مؤسسة تمويلية تقدم ما يزيد على مائة مليون دولار للمنظمات البحثية والجامعات (1) .

ويعد هذا التقرير الأحدث في سلسلة من الأوراق السياسية المتخصصة التي تهدف إلى تشديد الهجمة العسكرية والاقتصادية والثقافية الغربية على العالم الإسلامي. وفي جلسة الإيجاز التي عقدت في صيف العام 2002م، لمجلس كبار المستشارين في البنتاجون، وصف (لورينت موراويس) المحلل السابق في «مؤسسة راند» ، المملكة العربية السعودية بأنها «نواة للشر، والمحرك الرئيس، وأشد الخصوم خطورة» على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقال: إن على الولايات المتحدة أن تطلب من المملكة العربية السعودية أن تتوقف عن دعم الإرهاب، أو أن تواجه بمصادرة حقولها النفطية وأرصدتها المالية في الولايات المتحدة. كما طالب (موراويس) بشن حملة إمبريالية من عدة مراحل على الشرق الأوسط، ابتداءً بالعراق (المحور التكتيكي) ومروراً بالمملكة العربية السعودية (المحور الاستراتيجي) وأخيراً مصر (الجائزة) (2) .

إن تقرير الإسلام الديمقراطي المدني قد كتبته (شاريل بينا رد) وهي عالمة اجتماع قد نشرت روايات تتضمن موضوعات تطالب بمساواة المرأة بالرجل منها: «مقاومة المغول وشجاعة المحجبة» وتسخر فيها من المظاهر الدينية وتصور المرأة المسلمة بأنها مضطهدة وتعيش تحت وطأة حكم شيوخ مستبدين ومصابين بجنون العظمة.

وبالرغم من اعتراض الملايين من المسلمات على حظر الفرنسيين المثير للجدل للحجاب، في المدارس الحكومية الفرنسية، فقد ركزت (بينارد) في تعليق لها مؤخراً في صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) على أن القانون الجديد يعتبر دفعة إيجابية لحقوق المرأة: حيث إن الحجاب في العالم الإسلامي هو شيء ترتديه المرأة أو البنت؛ لأنها مجبرة على ذلك ـ وهو رمز للتقييد والإكراه بالتهديد.

وبالرغم من أن عالمة الاجتماع (بيرنارد) تعتبر نفسها مرجعاً في القوانين الإسلامية، فهي تذكر من بين أشياء أخرى ادعاء صادراً من أحد الكتاب المصريين المغمورين الذي يقول إن الحجاب ليس إجبارياً في الإسلام، بل إن ذلك ناتج عن قراءة خاطئة للقرآن (1) .

ومن الطريف أن «شاريل بينارد» متزوجة من «زلماي خليل زاده» ، الذي يشغل الآن منصب المساعد الخاص للرئيس بوش، وكبير مستشاري الأمن القومي المسئول عن الخليج العربي وجنوب شرق آسيا. ويعتبر خليل زاده ـ الأمريكي من أصل أفغاني ـ الوحيد الذي ينتمي إلى المحافظين الجدد ويعرف بآرائه المتطرفة (2) ، وقد تمكن خلال الثمانينيات من أن يؤمن لنفسه منصباً دائماً في مجلس تخطيط السياسة بوزارة الخارجية، وقد عمل في هذا المنصب تحت إدارة «بول وولفويتز» العقل الموجه لفكر المحافظين الجدد. ثم عمل مساعداً بوزارة الدفاع في إدارة بوش الأولى إبان حربها على العراق عام 1991م. وبعد الانتخابات الرئاسية عام 2000م اختاره (ديك شيني) نائب الرئيس ليرأس اللجنة الانتقالية لشؤون الدفاع.

ويعرف خليل زاده بكونه جزءاً من جهود الولايات المتحدة منذ مدة طويلة للحصول على مدخل إلى احتياطيات النفط والغاز في آسيا الوسطى؛ حيث كان يعمل مستشاراً للطاقة لدى شركة شيفرون، كما عمل مشرفاً لدى شركة النفط الأمريكية العملاقة (ينوكول) والتي كانت ترغب في بناء أنبوب للغاز يربط بين تركمانستان وباكستان عبر أفغانستان. كما أن خليل زاده يعرف عنه تودده للمجموعات المناوئة لصدام وحركة طالبان قبل الغزو الأمريكي وبعده لكلا البلدين.

لقد عبرت (شاريل بينارد) عن نواياها في تقرير الإسلام المدني الديمقراطي؛ حيث إن الهدف هو بناء نموذج جديد من الخطاب الإسلامي غير الفعّال يكون مصَمّماً ليتماشى مع الأجندة الغربية لفترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر. وبتركيزها على أكثر المصطلحات وضوحاً لم تدع الكاتبة مجالاً للشك فيما يخص الطموحات العظيمة في مشروعها. وتضيف قائلة: «إن تحويل ديانة عالَم بكامله ليس بالأمر السهل. إذا كانت عملية بناء أمة مهمة خطيرة، فإن بناء الدين مسألة أكثر خطورة وتعقيداً منها» (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت