حتى تضمن الأمة عنصر وحدتها وإرادتها في الاختيار والقرار
على الرغم من مظاهر الاتفاق والتعاون المكثفة بين الولايات المتحدة وأوروبا في المجالات السياسية والاقتصادية، إلاّ أن حدة التنافس بين الطرفين تظهر بشكل حاد في السباق الاقتصادي والتجاري وامتلاك النفوذ الأوسع في حركة الاقتصاد العالمي.
ويظهر الوطن العربي من بين أبرز مناطق التنافس.. فأوروبا كمجموعة تحاول جذب الوطن العربي إلى مشروع تعاوني في إطار سياسة عولمة الاقتصاد، يسمى مشروع"البحر متوسطية"، حيث عقد لهذا المشروع مؤتمر في"برشلونة"بقصد تأسيس مشاريع تعاونية أوروبية متوسطية مع الدول العربية الواقعة على البحر المتوسط في مقابل كل دول أوروبا، وفي ذلك تسعى أوروبا لإبعاد الولايات المتحدة عن الدخول في هذه المشاريع.
بالمقابل تسعى الولايات المتحدة لإقامة"السوق الشرق أوسطية"لتتأكد من خلالها السيطرة والحضور الأمريكيين لما لهذه السوق من تأثيرات على التكتلات الدولية أو الإقليمية الأخرى.
ولا تريد الولايات المتحدة وفقاً لمنطق مصالحها وأهدافها المرغوبة التفريط بالمنطقة التي ورثتها وفق منطق الهيمنة عن الاستعمار البريطاني والأوروبي في آسيا وإفريقيا منذ نهاية الخمسينيات.
على هذا الأساس، فإن دول المجموعة الأوروبية تدرك أبعاد الاستراتيجية الأمريكية فلم تكن متحمسة لقمة عمَّان في إطار"مشروع الشرق أوسطية"ذلك لأنها ستضع إمكاناتها المالية في خدمة المصالح الأمريكية دون منافع، فجاء رد الفعل الأوروبي لأجل مواجهة التنافس الأمريكي بعد أقل من شهرين من عقد مؤتمر"عمّان".
ويبدو الموقف الأمريكي مصمماً على تحقيق السبق بالاستفادة من المشكلات الاقتصادية والسياسية التي لا يزال الاتحاد الأوروبي يواجهها.. ذلك لأن التفكير الأمريكي رغم التظاهر بالتأييد للاندماج الأوروبي، إلا أنه يسعى في إطار الشرق أوسطية إلى احتواء أوروبا ومنعها من التحول إلى قوة عالمية قادرة على إعادة الحركة لمبدأ توازن المصالح والقوى الذي أصابه الجمود بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
ورُبَّ سائل يسأل: ما المظاهر والسياسات التي يُقاس فيها على قضية السعي الأمريكي لاحتواء الاندماج الأوروبي؟
إن هذه المظاهر تبرز بشكل جلي في تعمد الولايات المتحدة تهميش الدور الأوروبي في عملية التسوية، وفي الطريقة التي تعاملت بها مع قضية البوسنة والهرسك، وإيرلندا بناء على مبادرات أمريكية، والتوصل إلى اتفاقات تحت الإشراف الأمريكي علماً بأن الأخيرتين أزمتان في القارة الأوروبية.
إذن فالهدف من الوجود العالمي الأمريكي وخصوصاً في أوروبا إنما هو رسالة للأوروبيين بأن الولايات المتحدة هي القوة العالمية القادرة على ضمان الأمن والسلام العالميين: ليس في منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط فحسب ولكن في أوروبا أيضاً.
وبشكل عام، فإن الأنظار الأوروبية الطامحة نحو الجنوب في كل من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا تحاول جعل النشاط الأوروبي مع العالم الخارجي يتجه نحو الجنوب وليس شرق أوروبا، فالتفكير الأوروبي يتجه نحو تشكيل سوق لدول البحر المتوسط مع الاتحاد الأوروبي تشمل كل دول أوروبا بالانفتاح على الأقطار العربية"لبنان، سورية، فلسطين، مصر، تونس، ليبيا، الجزائر، المغرب، موريتانيا، والأردن".
وقد عبَّر عن الشعور بحدة التنافس الأوروبي الأمريكي وزير الخارجية الفرنسي في قمة"برشلونة"حيث قال: إن ثقل الولايات المتحدة جعل المتوسط بحراً خاضعاً للنفوذ الخارجي وللمرة الأولى.
لذلك تسعى أوروبا جاهدة لإقناع مجموعة من الأقطار العربية لتشكيل مؤسسات السوق تحت المظلة الأوروبية التي تضم بلدان الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة بلداً ومعها شركاء المتوسط الاثنا عشر بلداً، والعولمة الاقتصادية لإمكانات الدول الداخلة في المشروع"البحر متوسطية"، حسب المنطق الأوروبي، فهي منطقة تجارة حرة لأربعين دولة ب (800) مليون نسمة، إضافة إلى معالجة شؤون الأمن والهجرة و"الإرهاب"، وانتشار أسلحة الدمار الشامل وتنظيم شؤون التجارة ومشاريع النفط والغاز ودعم"الديمقراطية"، ودعم"حقوق الإنسان"بحيث ينتظم ذلك كُلُه في ميثاق ومؤسسات على شاكلة"مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي".
وعموماً فإن الرغبة الأوروبية مازالت تصطدم ببعض العراقيل التي من شأنها أن تجعل المشروع مجرد دعاية ودعوة إعلانية، وذلك بسبب صعوبة تحديد الإطار الجغرافي الذي يشمل الأطراف المعنية بالمشروع، فأحياناً يُفهم أن المشروع موجّه إلى دول الاتحاد المغاربي"المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، وموريتانيا"، في مقابل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا ومالطا والبرتغال من أوروبا، وأحياناً يشمل المشروع كل الأقطار العربية فضلاً عن كون المشروع لم يبلغ من التفاعل والاتصالات سوى تبادل الآراء، كما لا توجد أي من القوى الأوروبية الكبرى تدعمه بعكس المشروع الشرق أوسطي المدعوم من قبل الولايات المتحدة وعدد مهم من دول المنطقة.
خفايا مشروعات الشراكة الدائمة