فهرس الكتاب

الصفحة 17319 من 27364

وموقفها من قضية فلسطين

مجلة البيان - (ج 89 / ص 92)

بقلم: د. محمد آمحزون

إن تاريخ الأحزاب الشيوعية في البلاد العربية يشير إلى ظاهرة مهمة جدّاً في نشأة هذه الأحزاب، وفي مواقفها من النزاع العربي الإسرائيلي، وفي تأثرها بالعناصر اليهودية التي حرّكتها الصهيونية العالمية لإقامة دولة إسرائيل.

ويمكن القول بكل يقين: بأن الحركة الشيوعية في العالم العربي إنما أنشأها اليهود الذين كانوا أنشط العناصر داخل هذه الحركة، وفي تلك الفترة بالذات من تاريخ قيام الأحزاب الشيوعية في العالم العربي، أخذت بعض الدعاوى تنتشر في الأجواء السياسية حول شرعية حق اليهود القومي في فلسطين، لتلتقي هذه النظرة التي عمل الشيوعيون على ترويجها مع النظرة الصهيونية والأهداف التي تعمل لها.

إن تأثر الماركسيين العرب بالعناصر اليهودية على مستوى القيادة والتنظيم السياسي، كان له بالغ الأثر في جعل الماركسيين يعمون عن واقع وطنهم، ويتغاضون عن تمزيق بلادهم، إذ كانوا لا يفكرون من خلال عقولهم، وإنما من خلال المخططات التي تضعها الشيوعية الدولية والصهيونية العالمية، ويعملون هم على تنفيذها بشكل تلقائي دون أن يجهدوا أنفسهم في تحري المواقف، ليروا ما إذا كانت تلك المخططات الموضوعة تصلح للعالم العربي الإسلامي وتتفق مع حقه في الوجود أم لا.

كان الحزب الشيوعي الفلسطيني أول حزب شيوعي تأسس في المنطقة عام (1919م) ، وكان جميع عناصره من اليهود الروس الذين حملوا بذور الفكرة الأولى إلى فلسطين. وفي عام 1924م تأسس الحزب الشيوعي في لبنان، حيث ساهم بعض العناصر اليهودية الوافدة من فلسطين في إنشائه، وهي التي أوكلت إليها مهمة نشر الفكرة الشيوعية والإشراف على تنظيم خلاياها في منطقة الشرق الأوسط (1) .

وفي نهاية عام 1925م كانون الأول (ديسمبر) انعقد المؤتمر الوطني الأول للحزب الشيوعي، وانتخب لجنته المركزية من سبعة أعضاء، وظل تيبر اليهودي الروسي محتفظاً بأمانة الحزب العامة، وكان يعرف عادة باسم شامي، حيث درج معظم الأعضاء القياديين في الحركات الشيوعية على استعارة أسماء أخرى، وهو تقليد يهودي (2) .

وقد ظل الصراع محتدماً في الحزب منذ عام 1928م حتى عام 1932م، حين تمكن خالد بكداش من أن يبلغ مركز زعامة الحزب بترشيح جاكوب تيبر ـ المبعد إلى فلسطين ـ وتزكيته، وتقدم معه وجوه ثلاثة جديدة هم: نقولا شاوي و فرج الله الحلو و رفيق رضا الذي قدر له أن يلعب ـ بعد ثلاثين عاماً ـ دوراً كبيراً في فضح أسرار الحزب واتصالاته (3) .

ففي عام 1959م خرج رفيق رضا على الحزب ـ وكان عضواً في قيادته المركزية ـ ليروي بعض تاريخه، ويسلط الضوء على الجوانب المظلمة فيه، وقد كتب في ذلك الحين بياناً نشرته جريدة (الجماهير) السورية، جاء فيه: في عام 1932م وفد إلى بيروت عدة مندوبين شيوعيين يهود حملوا مبالغ وافرة من المال إلى قيادة الحزب الشيوعي في سورية ولبنان، وأذكر منهم أميل و أوسكا و مولر، وقد أبدلت لهم شخصياً قسماً من الأموال التي حملوها بالعملة المحلية آنذاك، وفي عام 1938م حملت إلى الحزب مبلغ خمسة وعشرين ألف فرنك، كان الحزب الشيوعي الفرنسي قد قرر آنذاك وضعها تحت تصرف الحزب الشيوعي السوري؛ لتوسيع حملته من أجل إقرار المعاهدة الفرنسية البغيضة، ومحاربة الاتجاه الوطني في ذلك التاريخ، هذا مع العلم أن خالد بكداش قد نقل بنفسه مبلغاً آخر حين كان في باريس مشتركاً في مؤتمر (آرل) الشيوعي الفرنسي (4) .

ولم يكتف (الحزب الشيوعي السوري اللبناني) بذلك، ولم يقف ارتباطه الفكري والمالي بالعناصر اليهودية عند هذا الحد، فقد استعار أسماء صحفه التي أصدرها من أسماء الصحف التي أصدرتها الحركة الشيوعية اليهودية في فلسطين؛ فاسم (صوت الشعب) وهي الصحيفة السرية للحزب الشيوعي في سورية ولبنان ترجمة حرفية لاسم الجريدة العبرية للحزب الشيوعي اليهودي (كول عاهام) ، واسم (النور) وهي الصحيفة العلنية للحزب التي أصدرها في دمشق عام 1956م منقول حرفياً عن اسم صحيفة (الحزب الشيوعي الإسرائيلي) التي أصدرها في فلسطين عام 1934م (5) .

وقد سار (الحزب الشيوعي العراقي) في الخطة نفسها في تعريب الأسماء اليهودية في الصحف التي أصدرها، إذ حملت صحيفته السرية أيضاً عام 1959م اسم (صوت الشعب) أسوة بالصحيفة اليهودية (كول عاهام) (6) .

ولذلك: لم يكن غريباً ـ حين جاءت القضية الفلسطينية ـ أن نجد (الحزب الشيوعي السوري اللبناني) وبقية الأحزاب الشيوعية في العالم العربي تتخذ موقفاً معادياً للحق الفلسطيني المغتصب؛ مرتبطة في ذلك وملتقية بالاتحاد السوفييتي، ومع الصهيونية العالمية، ولا غرابة في ذلك؛ إذ أحسنت العناصر اليهودية تنشئتها وتوجيهها واصطفاء قياداتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت