فهرس الكتاب

الصفحة 6192 من 27364

د. سليمان بن حمد العودة * 11/3/1424

بعد التحولات الخطرة والجولات المتعاقبة هنا سؤال أو عدة أسئلة تطرح، وتحتاج الإجابة إلى رويِّة وتفحص، ليس فراراً من الواقع، أو تسلية للنفس حين يقع المصاب، كلا؛ بل هو تلمس للحكمة الربانية فيما تكره النفوس ، إذ يقول تعالى"فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً" [النساء: 19] وقوله تعالى"وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم" [البقرة:216] وهو تصديق لخبر الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول:"عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".

والسؤال يقول: كيف نستثمر المعركة؟ أو ما هي مكاسبنا وخسائر أعدائنا؟ ومرة أخرى لا بد من الواقعية، والقول بأن هناك خسائر لحقت وستلحق المسلمين في هذه الحرب على العراق، وثمة مكاسب لعدونا حققها وقد يُحقق غيرها، ولكن السؤال المطروح استثمار أمثل لنتائج المعركة، وتلمس واعٍ للمكاسب تحت ركام الخسائر، وما من شك أن لكل معركة مكاسب ظاهرة وأخرى خفية، وما من شك كذلك أن مكاسبنا خسارة لعدونا والعكس، والمتأمل في التاريخ الماضي والحاضر يرى صوراً للنصر رآها الناس بعد حين لمن ظنوه منهزماً ، وأذكَّر بنموذجين: الأول: في مؤتة حين قابل المسلمون الروم والنصارى بعدد وعُدَّة غير متكافئة ومع ذلك ثبت المسلمون - وإن استشهد أمراؤهم الثلاثة- وقتل من قتل من المسلمين، واستطاع سيف الله المسلول خالد -رضي الله عنه- أن ينحاز بالبقية الباقية من المسلمين، ويفتح الله عليه ما لم يفتح على أصحابه، ومهما اختلفت عبارات السلف في تقييم نتائج المعركة (بين نصر أو هزيمة أو انحياز) فقد استطاع المسلمون أن يستثمروا المعركة لصالحهم، إذ تحطمت هيبة الروم في نفوسهم، وخبروا أساليب قتالهم، وتعرفوا على نقاط القوة والضعف في جيشهم، ولذا جاء بعث أسامة تأكيداً على قوة المسلمين وعدم خوفهم من الروم، ثم جاءت معركة اليرموك بعد برهاناً على تفوق المسلمين وسقوط دولة الروم على أيديهم.

أما النموذج الحديث: فيمثله تجربة اليابان، حين كانت كارثة هيروشيما ونجازاكي على أيدي الغربيين، ولكن اليابانيين وإن هزموا عسكرياً؛ فقد انتصروا علميا ًوتقنياً واقتصادياً، ونفضوا غبار المعركة وأزاحوا ذل الهزيمة وشقوا طريقاً أخرى للنجاح، وإذا وقع هذا لغير المسلمين؛ أفيعجز المسلمون عن استثمار الفرص، وتحويل الهزيمة إلى نصر؟!.

إن من الإيجابية أن يصبر المسلم على ما يلقى من أذى، وفي الوقت نفسه يفتش عن الجوانب المضيئة- وسط الظلام وفوق الركام - ليتقوى بها ويتسلى، ويُنتج ويستثمر الفرص، ويتجاوز دائرة الإحباط واليأس والقعود والسلبية إلى محيط الأمل والإنتاج والعمل والإيجابية.

ومن هذا المنطلق تعالوا بنا لنقف على شيء من مكاسبنا وخسائرهم في الحرب ولا شك أن مكاسبنا خسائر لأعدائنا، ومكاسبهم خسارة علينا .

01 تقاربنا وفرقتهم، لا شك أن المسلمين يعيشون حالة من الفرقة والتشرذم لا يُحسدون عليها، ولكن الأحداث يمكن أن تضيَّق هذه الهوة، وكفيلة - إذا ما استثمرت- لتوحيد الكلمة وجمع طاقة الأمة، فالخطر يحيط بها، والمخطط يستهدفها برمتها، وفرقتها وتناقضاتها أمضى سلاح يلعب به أعداؤها، وهو مذهب لريحها ومضعف لقوتها وحين تجتمع أو تتقارب تبدأ الطريق الصحيح لمقارعة عدوها. ولا شك أن عاطفة المسلم في المشرق حين تلتقي مع عاطفة المسلم في المغرب شيء عظيم، وهذا ما بدأنا نلمسه في هذه الحروب الظالمة الغاشمة، والمؤمل أن تُنمى هذه المشاعر وتُستثمر.

وفي المقابل كشفت الأحداث عن خلل وفرقة في المواقف بين أعدائنا، ومهما كانت مصالحهم وتبريراتهم فهي خرق في سفينتهم، وهي سهم يصيب القوم ويمكن أن يبيدهم، والمسلمون مطالبون باستثمار هذا الصدع لصالح قضاياهم.

02 وفي الحرب هزيمة لمبادئ القوم، وسقوط لشعاراتهم، وإخفاق لمؤسساتهم وهيئاتهم، فالحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان - وما شابهها- باتت مصطلحات مُحنطة من مخلفات الماضي، ومجلس الأمن يحتضر، وهيئة الأمم المتحدة تُركل بأقدامهم .

وهكذا تتسارع في السقوط مصطلحات وهيئات طالما اتكأ عليها الغرب في اتخاذ القرار، وروّج لها في سبيل العولمة والنفوذ والاستعمار، فهل يقيم المسلمون بديلاً صالحاً عن هذه المؤسسات والشعارات في أجواء صراع الحضارات ومقارعة الثقافات؟

03 كما أن من خسائر الغرب في هذه الحرب أنها وسَّعت دائرة الكره لهم ولمبادئهم، وكثّرت من سواد الرافضين لأفكارهم ومبادراتهم، وإذا شهدت عواصمهم موجة من الغضب والمظاهرات المنكرة للحرب، والمطالبة بمحاكمة مجرميها؛ فلا شك أن في تلك الخسارة لهم مكسباً للمسلمين ورصيداً يُضاف إلى رصيدهم، فهل يستثمروه؟ وإذا كان هذا تعبيراً من القوم عن كره الحرب ومجرميها فلا تسأل عن كره المسلمين لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت